Search

المقالات

قراءات الأسبوع الخامس من الصوم الكبير

تحت الأروقة الخمسة كان هناك كثيرون مرضى. فلو تصورنا أن واحد منهم على الأقل يرقد في موقعه لمدة ثمان وثلاثين سنة بدون أحد يعوله أو يعاوده أو ينظفه لتصورنا حجم المحنة والمهانة التي يعيش فيها المرضى تحت الأروقة الخمسة. فلعل حالة السامرية تحت نير الخمسة أزواج كانت أكثر احتمالا، فالأروقة الخمسة تمثل حالة العبودية التي سقطت تحتها البشرية، تنتظر خلاصا من أمراضها المستعصية، التي نتجت عن الفساد الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس بالخطية. فاستلقت بجوار مياه الناموس المختلطة بدم الذبائح ترجو التكفير عن خطاياها والشفاء لأمراضها.

"وكان ملاك ينزل أحيانا في البركة ويحرك الماء، فمن حين لآخر كان نبيا يظهر ليحرك ماء الناموس الآسن معطيا رجاءً بالخلاص. في هذا الجو العفن الملوث بجميع أنواع الأمراض كان الكل يتوقع خلاصا طال انتظاره دون بارقة أمل. وفجأة ظهر يسوع الذي تكلم عنه الأنبياء وأرشدنا إليه الناموس "إذ قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان" (غل 24:3). ودخل المسيح برائحة بره الذكية إلي عالم فسادنا حيث رائحة الخطية الكريهة تزكم الأنوف. لكن بره الذي لا يتدنس بفسادنا قادر أن يُطهِرنا من كل خطية مهما بلغ فسادنا من حال.

"وكان هناك إنسان به مرض منذ ثمان وثلاثين سنة (كممثل للبشرية الشقية) هذا رآه يسوع مضطجعا، وعلم أن له زمانا كثيرا، فقال له أتريد أن تبرأ؟!". السؤال غير مُتوقَّع، فهل هناك شك في أن المريض يريد أن يبرأ؟ الواقع يقول أن هناك من يعتاد حالته المرضية، والتأقلم مع الواقع يجعله لا يريد تغيير وضعه. إجابة المريض على المسيح لا توحي بأنه كان يطلب الشفاء، "أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة.."، فبدأ يبرر أسباب بقائه في حالته المرضية كل هذه المدة الطويلة دون شفاء. ونستطيع أن نتفهم هذه الحالة بالمقارنة مع بارتيماوس الأعمى، "فصرخ قائلا يا يسوع ابن داود ارحمني. فانتهره المتقدمون ليسكت أما هو فصرخ أكثر كثيرا يا ابن داود ارحمني. فوقف يسوع وأمر أن يقدم إليه ولما اقترب سأله. قائلا ماذا تريد أن أفعل بك فقال يا سيد أن أبصر. فقال له يسوع، أبصر إيمانك قد شفاك" (لو 18: 38- 42). مشاعر مريض بيت حسدا تشكل خطورة في حالات المرض الروحي. فكثيرون من الخطاة لا يريدون الشفاء من خطاياهم بعكس ما يدَّعون. لذلك تسوء حالتهم وتطول وتتردى جدا مثل حالة مريض بيت حسدا. المُشكِلة أن المريض يحب مرضه سرا، ويشكو منه جهرا، وفي هذا خطورة روحية شديدة أراد أن يكشفها لنا المسيح في تعامله مع هذا المريض. لذلك شفاه دون طلب ودون إيمان.  

المسيح لا يفرض علينا الخلاص لكنه يستشيرنا في أمر خلاصنا، فكثيرا من المرضى استمرأ وضعه الطويل مع المرض والشر والخطية ولا يريد أن يتغير. بعد أن حقق المسيح خلاصنا فوق الصليب، وضعه في أيدينا لكي نقبله أو لا نقبله. فوضع مسئولية خلاصنا في أيدينا بكل حرية.

"قال له يسوع قم احمل سريرك وامش" وكما لم يستخدم السيد المسيح ماء العالم مع السامرية، لم يستخدم المسيح هنا ماء البِركة التي تشير للناموس. لأنه جاء ليبطل ناموس الذبائح بذبيحته الواحدة المقدمة عن العالم.

"بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضا لئلا يكون لك أشر". المسيح شفاه دون طلب لكنه أعطانا جميعا تحذيرا مخيفا من حالة الاستهتار والتراخي والكسل التي يمثلها هذا المريض. المسيح يجدنا في الوقت المناسب. ويعطي لكل واحد الرسالة المناسبة لحالته بالضبط كما سنرى في حالة المولود أعمى.