الصليب والقيامة

Search

الصليب والقيامة

الصليب والقيامة

ليس لى إنسان

         عندما سأل السيد المسيح الرجل المفلوج الذى مكث بجوار بِركة مياه بيت حسدا لمدة ثمانى وثلاثين سنة، قائلاً : "أتريد أن تبرأ"؟ (يو5: 6).. قال له المفلوج "يا سيد ليس لى إنسان يلقينى فى البركة متى تحرك الماء. بل بينما أنا آتٍ ينزل قدامى آخر" (يو5: 7). 

فى هذه البِركة للمياه ذات الخمسة أروقة "كان مضطجعاً جمهور كثير من مرضى وعمى وعرج وعسم يتوقعون تحريك الماء لأن ملاكاً كان ينزل أحياناً فى البِركة ويحرك الماء. فمن نزل أولاً بعد تحريك الماء، كان يبرأ من أى مرض إعتراه" (يو5: 3،4).

كان حال الرجل المفلوج بجوار هذه البِركة ذات الخمسة أروقة يمثل حال البشرية التى إنتظرت مجئ المخلّص أكثر من خمس آلاف عام، وقد أعطيت شريعة موسى ذات الخمسة أسفار والتى لم تتمكن من تخليص البشرية مما هى فيه من فساد طبيعتها، ومن الموت الذى نتج عن دخول الخطية إلى العالم.

فى مدة إنتظار البشرية، كان الرب يرسل أنبياء بين الحين والآخر لتنبيه البشرية إلى الخلاص، الذى كان الرب مزمعاً أن يصنعه فى ملء الزمان، وقد تنبأوا عن مجئ المخلص. ولكن لم يتمكن أحد منهم من تخليص البشرية من عجزها الروحى، ومن حالة الموت التى سيطرت عليها منذ سقوط أبوينا الأولين.

كانت هناك ومضات من السماء عبر الأجيال، عبّر عنها نزول الملاك أحياناً لتحريك المياه فى البركة. ولكن هذه الومضات كانت لتذكير البشرية بأن الخلاص سوف يتم بمجئ المخلّص.

وها هو المخلّص قد أتى ووقف إلى جوار الرجل المفلوج يسأله "أتريد أن تبرأ؟ أجابه المريض يا سيد ليس لى إنسان".

لعل رد الرجل المريض يذكّرنا بما ورد فى سفر أشعياء عن حال البشرية إذ قال : "ننتظر عدلاً وليس هو. وخلاصاً فيبتعد عنّا. لأن معاصينا كثرت أمامك، وخطايانا تشهد علينا، لأن معاصينا معنا وآثامنا نعرفها.. وقد إرتد الحق إلى الوراء، والعدل يقف بعيداً.. فرأى الرب وساء فى عينيه أنه ليس عدل. فرأى أنه ليس إنسان وتحيّر من أنه ليس شفيع. فخلّصت ذراعه لنفسه وبره هو عَضَدَهُ. فلبس البر كدرع وخوذة الخلاص على رأسه" (أش59: 11،12،14-17).

كما قال المريض "ليس لى إنسان" هكذا رأى الرب أنه "ليس إنسان".. أى لا يوجد إنسان يستطيع أن يتمم الفداء ويخلّص البشرية. ولذلك يقول : "رأى (الرب) أنه ليس إنسان وتحيّر من أنه ليس شفيع".

كان من الضرورى أن يقوم الرب هو نفسه بالخلاص، لأنه لا يقدر أحد أن يتمم الفداء إلا الرب نفسه. لذلك يكمّل قائلاً : "فخلّصت ذراعه لنفسه.. فلبس البر كدرع، وخوذة الخلاص على رأسه"

صار الرب الله هو نفسه المخلص.. لهذا قال الإنجيل "وكان الكلمة الله.. والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءًا نعمةً وحقاً" (يو1: 1،14).

صار لى خلاصاً

         عن هذا تغنى أشعياء النبى قائلاً :"هوذا الله خلاصى فأطمئن ولا أرتعب، لأن ياه يهوه قوتى وترنيمتى وقد صار لى خلاصاً.. فتستقون مياهاً بفرح من ينابيع الخلاص" (أش12: 2,3).

لقد صار يهوه نفسه هو الخلاص. لأنه تجسد وهو المخلص. هو الكاهن، وهو الذبيحة. هو الحمل، وهو الراعى. هو الهيكل، وهو القربان.

وتغنت العذراء مريم قائلة : "تبتهج روحى بالله مخلصى" (لو1: 47).

وقيل عن السيد المسيح فى ميلاده "وتدعو إسمه يسوع (ياه سوع) لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم" (مت1: 21). وكلمة (ياه سوع) معناها "يهوه مخلص".

الكلمة الذى له نفس ذات جوهر الآب، هو الذى تجسد وصنع الفداء. فالله يهوه هو المخلّص. لأن الكلمة من حيث جوهره هو يهوه، ومن حيث أقنومه هو الإبن المولود من الآب، الذى هو يهوه أيضاً من حيث الجوهر.

وقد قال الرب صراحة فى أشعياء النبى : "أنا أنا الرب وليس غيرى مخلّص.. وأنتم شهودى يقول الرب وأنا الله" (أش43: 12).

ما أعجب محبتك يارب لأنك إذ لم تجد من يمكنه خلاص البشرية، أرسلت إبنك الوحيد ليولد متجسداً من العذراء مريم، وإذ صار إنساناً مثلنا بلا خطية، يقوم هو نفسه بإتمام الفداء، يقدم نفسه كشفيع ويموت نيابةً عن الكل. ويقيمنا معه بإنتصاره على الموت.. وبهذا صار الرب نفسه هو المخلص، وخلّصت ذراعه لنفسه وبره هو عضَدّه.

قم إحمل سريرك وامشِ :

       قال الرب للمفلوج :"قـم إحمـل سريرك وإمش" (يو5: 8). بعد أن كانت الروح عاجـزة عن الحركة. ترقد فى فراش الجسد، بكلمة الله صار لها القدرة أن تحمل الجسد، وتتحرك به بملء الصحة الروحية.

صارت الروح قادرة أن تقود الجسد، لأنها تنقاد بروح الله، وتتقوى بنعمة الروح القدس.

لم يعد الجسد هو موضع ترقد الروح فيه عاجزة عن الحركة نحو حياة الأبد، بل صارت الروح قادرة أن تقود الجسد وأن تحمله إلى بيت الآب.

ما أجمل هذه الكلمة "قم". سوف يسمعها كل من آمن وتمتع بالخلاص.. حينما ينادى إبن الله الذين رقدوا ليقوموا بأجساد روحانية ويرثوا الحياة الأبدية. إذا قال الرب للإنسان "قم" فسوف يقوم حتماً.. إنها كلمة الرب القادرة الحية إلى الأبد.

فوق الصليب

      فوق الصليب كان الذبيح معلقاً رافعاً ذراعيه نحو السماء. لأنه هو الكاهن الأعظم، وقد صعد إلى المذبح ليصلى، وهو يقدِّم ذبيحة نفسه المقبولة أمام الله الآب عن حياة العالم. كان هو الكاهن والذبيحة فى آنٍ واحد.

كان قائماً وهو مذبوح كما رآه يوحنا فى سفر الرؤيا فى وسط العرش (أنظر رؤ5: 6).

لم يُذبح المسيح ويُلقى على الأرض، بل كان معلقاً بين الأرض والسماء.. لأنه هو الطريق المؤدّى إلى الآب.. إلى الحياة الأبدية. وهو الشفيع بين الله والناس، بين السماء والأرض.

كل من ينظر إليه بإيمان يستطيع أن يعرف الطريق المؤدى إلى ملكوت الله.

فتح السيد المسيح كِلتا ذراعية لكى يُعلن دعوته للأمم كما لليهود،  لكى يأتوا إلى أحضان الله ويتمتعوا بالخلاص والراحة الأبدية. ولهذا كان عنوان علته مكتوباً فوق رأسه بأحرف يونانية ولاتينية (رومانية) وعبرية. فالخلاص هو لجميع الشعوب. وقد إشترك الرومان مع اليهود فى صلب السيد المسيح، لأنه مات لسبب خطايا الأمم وخطايا اليهود معاً، ليحرر البشر جميعاً من سلطان الخطية.. كل من يؤمن ويتوب ويعتمد.

فوق الصليب حمل السيد المسيح لعنة الخطية، لأنه مكتوب "المعلّق ملعون من الله" (تث21: 23) وبهذا "جعل الذي لم يعرف خطية- خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه" (2كو5 :21).

وإحتمل السيد المسيح كل تعييرات الشيطان على فم المعيرين لأنه مكتوب "تعييرات معيّريك وقعت علىَّ" (مز69: 9).

ولكن القيامة من الأموات محت كل آثار التعيير، كما أنها أثبتت أن اللعنة قد مُحيت وزالت لأن الكفارة قد قُبِلت، وإستوفى العدل الإلهى حقه بالكامل.

لهذا رأى يوحنا السيد المسيح بثوب مغموس بالدم، وهو بالعدل يحكم ويحارب، ويُدعى إسمة كلمة الله "وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شئ" (رؤ19: 15).

وسبق أن قال السيد المسيح بفم نبيه أشعياء "قد دست المعصرة وحدى ومن الشعوب لم يكن معى أحد" (أش63 : 3).

فوق الصليب صعد السيد المسيح إلى عرشه المجيد.. ولهذا تتغنى له الكنيسة بألحان المزمور فى يوم الجمعة العظيمة "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب الإستقامة هو قضيب ملكك" (مز45: 6). وهكذا نرى كيف أن الرب قد ملك على خشبة.

لقد إختار السيد المسيح مهنة النجارة فى حياته قبل الصليب.. وهكذا صنع إبن النجار صليباً من خشب الشجر ليخلِّص به العالم. كما قال القديس مار آفرام السريانى ]مبارك هو ذلك النجار الذي صنع بصليبه قنطرة لعبور المفديين[.

كانت الشجرة هى سبب سقوط الإنسان فى الفردوس، وأراد السيد أن تكون الشجرة هى أيضاً سبباً فى خلاص الإنسان ورجوعه إلى الفردوس. وعلى الشجرة قال للص اليمين "اليوم تكون معى فى الفردوس".

إختفى الشيطان فى الحية القديمة وخدع البشرية لتعصى الوصية المقدسة، وتأكل من شجرة معرفة الخير والشر، إذ نظرت الثمرة شهية للنظر وجيدة للأكل.

وهكذا أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان، وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع ذاته وأطاع الآب حتى الموت، وكان معلقاً على الشجرة. ورأى الشيطان أن الثمرة المعلقة على الشجرة هى شهية للنظر وجيدة للأكل.. فتجاسر الموت أن يلتهم الحياة.. وبهذا إبتلع ما هو ضده وما هو أقوى منه، فإنهزم الموت وأبتُلع الموت من الحياة مثلما تبتلع الظلمة نوراً فإن النور هو الذى يبتلع الظلمة ويبددها. ولم يستطع الجحيم أن يبتلع من له الحياة الإلهية القاهرة للموت.. بل إن الجحيم نفسه قد تحطمت متاريسه بقوة المصلوب..

لهذا كتب القديس يوحنا ذهبى الفم }عندما إنحدرت إلى الموت، أيها الحياة الذي لا يموت : حيتئذ أمتّ الجحيم ببرق لاهوتك. وعندما أقمت الأموات من تحت الثرى، صرخ نحوك جميع القوات السمائيين: أيها المسيح الإله معطى الحياة المجد لك{.

دقات المسامير :

      كانت دقات المسامير فى يدىّ وقدمىّ السيد المسيح مثل معاول تهدم فى مملكة إبليس.. لأن اليد التي سُمرّت هى تلك اليد المتحدة باللاهوت.. هى يد الله التي قدّمت الخير- كل الخير للخليقة، وهى اليد التي جبلت آدم وحواء كقول المزمور "يداك صنعتانى وجبلتانى" (مز119: 73).

كانت طرقات المطرقة تدوى فوق الجلجثة أثناء تسمير السيد المسيح فوق الصليب، وكانت أيضاً معاول هدم حصون إبليس تدوى فى أسماع الملائكة الذين وقفوا مبهورين من محبة الله الباذلة إلى المنتهى.

لقد إرتبكت الخليقة، وإضطربت الأرض، وكأنها قد إقشعرت من القساوة التي عومل بها الله الكلمة المتجسد. ولهذا فقد تزلزلت الأرض والجبال وتشققت الصخور لأن دقات المسامير أفزعتها. وغضبت الطبيعة مما فعله الخطاه بخالق الطبيعة ومبدعها.

وحينما تعرّى الإبن الوحيد من ثيابه : أخفت الشمس أشعتها وكأنها تشعر بالخجل من تعرية خالقها الذي ألبس المسكونة جمالاً وبهاءًا. حتى زنابق الحقل ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها.

لقد سمح الرب للخليقة غير العاقلة أن تبدو فى إضطراب ليبكّت قساوة الإنسان. فالصخور بدت وكأنها كانت أكثر إحساساً وشعوراً من تلك القلوب القاسية التي صارت أقسى من الصخر لسبب الخطايا والشرور التي أعمت بصيرتها.

وهكذا أرعدت الطبيعة لكى يستفيق قلب الإنسان ويدرك مقدار من هو ذبيح فوق الصليب.. إنه الله الكلمة نفسه الذي تجسد وإفتدانا من اللعنة والموت. فما أعجب محبتك غير الموصوفة يا ربنا القدوس؟!!...

فى اليوم الثالث يقوم

      قبل التجلى بستة أيام أنبأ السيد المسيح تلاميذه عن آلامه وموته وقيامته، وقد سجل القديس متى الإنجيلى ذلك بقوله "من ذلك الوقت إبتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وفى اليوم الثالث يقوم" (مت16: 21).

أراد السيد المسيح بذلك أن يجعلهم يفهمون أنه سوف يبذل للموت نفسه بإرادته، وأنه سوف يقوم بسلطانه الإلهى.

كان ينبغى لكى يخبرهم بقيامته أن يخبرهم بموته، لأنه لا توجد قيامة إلا من الموت. ولولا الموت لما كانت القيامة.

كانت القيامة هى أقوى برهان على لاهوته، وعلى خلوه من الخطية الأصلية التى لآدم. وكذلك برهان على بره الكامل، ونقاوته المطلقة فى حياته الإنسانية، وعلى قبول ذبيحته أمام الله الآب لغفران خطايا العالم.

القيامة هى موضوع الشهادة :

إن قيامة السيد المسيح من الأموات، هى عماد الديانة المسيحية، وموضوع شهادة الآباء الرسل للعالم، بحسب وصية الرب لهم "تكونون لى شهوداً" (أع1: 8). وحينما أرادوا أن يختاروا من يحل محل يهوذا الإسخريوطى ويأخذ وظيفته الرسولية قالوا : "فينبغى أن الرجال الذين إجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج، منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذي إرتفع فيه عنّا يصير واحد منهم شاهداً معنا بقيامته" (أع1: 21،22).

وقد أزعجت شهادة الرسل لقيامة السيد المسيح رؤساء كهنة اليهود والفريسيين والصدوقيين، وحاولوا أن يمنعوها بكل الوسائل. سواء بالتهديد والوعيد أو بالتنكيل والتعذيب. ولكن كانت إجابة الآباء الرسل الثابتة هى "نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا" (أع4: 20).

وحينما شفى بطرس ويوحنا الرسولان الرجل الأعرج عند باب الهيكل الذي يقال له الجميل "بينما هما يخاطبان الشعب أقبل عليهما الكهنة وقائد جند الهيكل والصدوقيون، متضجرين من تعليمهما الشعب وندائهما فى يسوع بالقيامة من الأموات. فألقوا عليهما الأيادى ووضعوهما فى حبس إلى الغد.. وحدث فى الغد أن رؤساءهم وشيوخهم وكتبتهم إجتمعوا إلى أورشليم مع حنان رئيس الكهنة وقيافا ويوحنا والأسكندر وجميع الذين كانوا من عشيرة رؤساء الكهنة" (أع4: 1،2،5،6). فقال لهم الآباء الرسل "فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه بإسم يسوع الناصرى الذي صلبتموه أنتم الذى أقامه الله من الأموات. بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً" (أع4: 10).

فى كل عظة للرسل كانوا ينادون بقيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات :

  • ففى عظة يوم الخمسين قالوا: "الذى أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه" (أع2: 24)
  • وقالوا أيضاً : " يسوغ أن يُقال لكم جهاراً عن رئيس الآباء داود أنه مات ودُفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم. فإذ كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه، سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه لم تُترَك نفسه فى الهاوية، ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك" (أع2: 29-32).
  • وفى عظة باب الهيكل الجميل قالوا : "إله آبائنا مجَّد فتاه يسوع الذى أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه. ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه الذى أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك" (أع3: 13-15).
  • وإلى جوار ما سبق أن ذكرناه فى حوار بطرس ويوحنا مع رؤساء اليهود بعد شفاء الأعرج عن قيامة السيد المسيح فإن حواراً آخر قد دار بعد القبض على كل الآباء الرسل ووضعهم فى حبس العامة، وإخراج ملاك الرب لهم فى الليل من السجن، وإحضارهم فى اليوم التالى. "فلما أحضروهم أوقفوهم فى المجمع. فسألهم رئيس الكهنة قائلاً : أما أوصيناكم وصية أن لا تعلِّموا بهذا الإسم. وها أنتم قد ملأتم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان. فأجاب بطرس والرسل وقالوا : ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس. إله آبائنا أقام يسوع الذى أنتم قتلتموه معلّقين إياه على خشبة" (أع5: 27-30).
  • وفى خطاب إستفانوس رئيس الشمامسة وأول الشهداء أمام مجمع اليهود قال "ها أنا أنظر السماوات مفتوحة وإبن الإنسان قائماً عن يمين الله" (أع7: 56).
  • وعندما أرسل الرب بطرس ليكرز بالكلمة فى بيت كرنيليوس الذى كان من الكتيبة التي تُدعى الإيطالية قال عن السيد المسيح : "ونحن شهود بكل ما فعل فى كورة اليهودية وفى أورشليم. الذي أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبة. هذا أقامه الله فى اليوم الثالث. وأعطى أن يصير ظاهراً، ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فإنتخبهم. لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات" (أع10: 39-41).
  • وفى أنطاكية بيسيدية قال بولس الرسول فى مجمع اليهود عن السيد المسيح : "ولما تمموا كل ما كُتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه فى قبر. ولكن الله أقامه من الأموات. وظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب. ونحن نبشركم بالموعد الذي صار لآبائنا : أن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً فى المزمور الثانى أنت إبنى أنا اليوم ولدتك. أنه أقامه من الأموات غير عتيد أن يعود أيضاً إلى فساد" (أع13: 29-34).

فى هذا الخطاب ربط القديس بولس بين بنوة المسيح لله فى قول المزمور "أنت إبنى" (مز2: 7) وبين القيامة. لأن القيامة كانت نتيجة حتمية لإتحاد اللاهوت بالناسوت.. إذ أن الذى مات بحسب الجسد هو هو نفسه القدوس الحى الذى لا يموت بحسب لاهوته. وقام بسلطانه الإلهى منتصراً على الموت، لأنه قَبِل الموت بإرادته وليس إنهزاماً أمامه.

وقد ربط القديس بولس مرة أخرى الأمرين معاً فى رسالته إلى أهل رومية بقوله عن إنجيل الله "الذى سبق فوعد به بإنبيائه فى الكتب المقدسة، عن إبنه. الذى صار من نسل داود من جهة الجسد. وتعيَّن إبن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا" (رو1: 1-4). أى أن القيامة كانت برهاناً قوياً على بنوة السيد المسيح للآب.

  • وحينما تكلم القديس بولس الرسول فى أثينا فى أريوس باغوس شهد لقيامة المسيح فقال : "فالله الآن يأمر جميع الناس فى كل مكان أن يتوبوا متغاضياً عن أزمنة الجهل. لأنه أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عيّنه مقدماً للجميع إيماناً إذ أقامه من الأموات" (أع17: 30،31).
  • وفى خطابه أمام أغريباس الملك قال : "إن يُؤلَّم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات مزمعاً أن ينادى بنور للشعب وللأمم" (أع26: 23).

وهكذا نرى كيف إهتم الآباء الرسل القديسون بالشهادة لقيامة السيد المسيح فى كرازتهم بالإنجيل، وتعليمهم للشعب، ومجاهرتهم بالإيمان.

ظهورات لمريم المجدلية بعد القيامة

         كما شرح لنا قداسة البابا شنودة الثالث، فإن مريم المجدلية قد زارت القبر خمس مرات فى فجر أحد القيامة...

وقد إستغرقت أحداث هذه الزيارات -وبأكثر تحديد الزيارات الأربعة الأولى- الفترة ما بين ظهور أول ضوء فى الفجر "إذ طلعت الشمس" (مر16: 2)، وتلاشى آخر بقايا ظلمة الليل "والظلام باق" (يو20: 1). وهى مدة لا تقل عن نصف ساعة فى المعتاد يومياً.

وكانت مريم المجدلية تذهب لزيارة القبر، ثم تعود إلى مدينة أورشليم بمنتهى السرعة، ثم تأتى إلى القبر مسرعة فى زيارة تالية وهى تجرى.

ولأن موضع القبر كان قريباً من أورشليم (أنظر يو19: 20،41)، لهذا لم تكن المسافة تستغرق وقتاً طويلاً. وبالرغم من أن مريم المجدلية قد قطعت هذه المسافة عشر مرات فى زياراتها الخمس، إلا أنها فى الزيارات الأربع الأولى، ومنذ وجودها عند القبر لأول مرة فى فجر الأحد فإنها قطعت هذه المسافة ست مرات فقط. أى أنها إستغرقت حوالى خمس دقائق فى كل مرة ما بين القبر وأورشليم وبالعكس.

ونظراً لأهمية ترتيب أحداث القيامة، نورد فيما يلى بياناً بالزيارات الخمس لمريم المجدلية عند القبر حسبما أوردها الأنجيليون الأربعة بترتيب حدوثها :

الزيارة الأولى : أوردها القديس مرقس فى إنجيله كما يلى:

"وبعدما مضى السبت إشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه. وباكراً جداً فى أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس. وكن يقلن فيما بينهن : من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. فتطلعن ورأين أن الحجر قد دُحرج. لأنه كان عظيماً جداً. ولما دخلن القبر رأين شاباً جالساً عن اليمين لابساً حلة بيضاء فإندهشن. فقال لهن : لا تندهشن. أنتن تطلبن يسوع الناصرى المصلوب. قد قام ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذى وضعوه فيه. لكن إذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل هناك ترونه كما قال لكم. فخرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات" (مر16: 1-8).

والدليل على أن هذه الزيارة كانت الأولى أن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب كن يقلن فيما بينهن "من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر" (مر16: 3) إذ لم تكن مريم قد رأت الحجر مدحرجاً بعد.

الزيارة الثانية : بعد عودة مريم المجدلية من الزيارة الأولى إذ لم تخبر أحداً بما قاله الملاك فى الزيارة الأولى لأنها كانت خائفة، ذهبت مرة أخرى فى صُحبة القديسة مريم العذراء لتنظرا القبر. وقد أورد القديس متى فى إنجيله هذه الواقعة دون أن يذكر القديسة العذراء مريم بالتحديد مسمياً إياها "مريم الأخرى".

"وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر. وإذا زلزلة عظيمة حدثت. لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. فمن خوفه إرتعد الحراس وصاروا كأموات. فأجاب الملاك وقال  للمرأتين : لا تخافا أنتما. فإنى أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا لأنه قام كما قال. هلما أنظرا الموضع الذى كان الرب مضطجعاً فيه. وإذهبا سريعاً قولا لتلاميذه أنه قد قام من الأموات. ها هو يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه. ها أنا قد قلت لكما. فخرجتا سريعاً من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه. وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال سلام لكما. فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. فقال لهما يسوع لا تخافا. إذهبا قولا لإخوتى أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يروننى" (مت28: 1-10).

فى قول القديس متى "إذا زلزلة عظيمة قد حدثت" لا يعنى أن الزلزلة قد حدثت وقت تلك الزيارة، بل سبقتها وسبقت الزيارة الأولى أيضاً.

وقد أورد القديس مرقس هذه الزيارة بإختصار فى إنجيله، هى التى رأت فيها مريم المجدلية السيد المسيح وهى فى صحبة القديسة مريم العذراء. وذكر هذه الواقعة بعد أن ذكر الزيارة الأولى : "وبعدما قام باكراً فى أول الأسبوع، ظهر أولاً لمريم المجدلية التى كان قد أخرج منها سبعة شياطين. فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون. فلما سمع أولئك أنه حى وقد نظرته لم يصدقوا" (مر16: 9-11).

وبهذا ترى كيف أكرم السيد المسيح أمه العذراء والدة الإله: إذ لم يظهر لمريم المجدلية فى زيارتها الأولى مع مريم أم يعقوب وسالومة. بل ظهر لها حينما حضرت مع أمه. وفى تلك الزيارة تم تنفيذ رغبة السيد المسيح بسرعة فى إبلاغ تلاميذه كما ذكر القديس متى إذ خرجتا من القبر "راكضتين لتخبرا تلاميذه" (مت28: 8).

ليتنا نطلب صُحبة القديسة مريم العذراء فى حياتنا الروحية، لنرى السيد المسيح بأعين قلوبنا ونبشر بقيامته بغير تردد. لأن العذراء هى مثال الطاعة والتسليم بين جميع القديسين.

الزيارة الثالثة : بعد أن أخبرت مريم المجدلية التلاميذ بقيامة السيد  المسيح، أرادت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب أن تذهبا مرة أخرى إلى القبر مع مجموعة من نساء عديدات. وقد أورد القديس لوقا فى إنجيله هذه الزيارة بعد أن سرد أحداث الدفن يوم الجمعة. وراحة يوم السبت:

"وتبعته نساء كن قد أتين معه من الجليل ونظرن القبر وكيف وُضع جسده. فرجعن وأعددن حنوطاً وأطياباً. وفى السبت إسترحن حسب الوصية. ثم فى أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذى أعددنه ومعهن أناس فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر. فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع. وفيما هن محتارات فى ذلك إذا رجلان وقفا بهن بثياب براقة. وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض. قالا لهنَّ : لماذا تطلبن الحى بين الأموات. ليس هو ههنا لكنه قام. إذكرن كيف كلمكن وهو بعد فى الجليل قائلاً : أنه ينبغى أن يُسلّم إبن الإنسان فى أيدى أناس خطاة ويصلب وفى اليوم الثالث يقوم. فتذكّرن كلامه. ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله. وكانت مريم المجدلية، ويونا، ومريم أم يعقوب، والباقيات معهن اللواتى قلن هذا للرسل. فتراءى كلامهن لهم كالهذيان. ولم يصدقوهن" (لو23: 55 -24: 11).

بعد هذه الزيارة إذ لم يصدِّق الآباء الرسل كلام النسوة بدأ الشك يساور مريم المجدلية فقررت أن تذهب إلى القبر بمفردها. هذه هى الزيارة التالية.

الزيارة الرابعة : ذهبت إلى القبر بمفردها قبل نهاية بقايا ظلمة الليل. وقد أورد القديس يوحنا الإنجيلى هذه الزيارة كما يلى : "وفى أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر. فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذى كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه. فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر. وكان الإثنان يركضان معاً. فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولاً إلى القبر. وإنحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل. ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة والمنديل الذى كان على رأسه ليس موضوعاً مع الأكفان، بل ملفوفاً فى موضع وحده. فحينئذ دخل أيضاً التلميذ الآخر الذى جاء أولاً إلى القبر ورأى  فآمن. لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغى أن يقوم من الأموات. فمضى التلميذان أيضاً إلى موضعهما" (يو20: 1-10).

والعجيب أن مريم المجدلية بعد هذه الزيارة، بدأت تردد كلاماً مغايراً تماماً لما سبق أن قالته بعد الزيارتين الثانية والثالثة حينما أخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وبكلامه ثم بكلام الملاكين عن قيامته.

بعد الزيارة الرابعة بدأت تردد عبارة تحمل معنى الشك فى قيامة السيد المسيح بالرغم من ظهوره السابق لها وظهورات الملائكة المتعددة.

قالت للقديسين بطرس ويوحنا الرسولين " أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه؟!" (يو20: 2).

بعد هذا الكلام وبعد أن علم الرسل أن الحراس قد إنصرفوا من أمام القبر. ذهب بطرس ويوحنا الرسولان إلى القبر وتبعتهما  مريم المجدلية. وكانت هذه هى زيارتها الخامسة والأخيرة للقبر فى أحد القيامة. وحفلت هذه الزيارة بأحداث هامة غيرّت مجرى حياتها وتفكيرها تماماً.

الزيارة الخامسة : أورد القديس يوحنا فى إنجيله أحداث هذه الزيارة بعد كلامه السابق مباشرة كما يلى:

"أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجاً تبكى. وفيما هى تبكى إنحنت إلى القبر، فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحداً عند الرأس والآ خر عند الرجلين، حيث كان جسد يسوع موضوعاً. فقالا لها يا إمرأة لماذا تبكين . قالت لهما إنهم أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه. ولما قالت هذا إلتفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفاً ولم تعلم أنه يسوع. قال لها يسوع يا إمرأة لماذا تبكين. من تطلبين؟ فظنت تلك أنه البستانى فقالت له يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لى أين وضعته وأنا آخذه. قال لها يسوع يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له ربونى. الذى تفسيره يا معلم. قال لها يسوع لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد إلى أبى. ولكن إذهبى إلى إخوتى وقولى لهم إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم، فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وأنه قال لها هذا" (يو 20: 11- 18).

فى هذه الزيارة الخامسة والأخيرة للقبر، نرى مريم المجدلية وهى فى إضطراب وشك وبكاء، تردد قولها السابق الذى قالته للرسولين بطرس ويوحنا. فقالت نفس العبارة للملاكين الجالسين داخل القبر " أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه" (يو 20: 13). ثم وصل بها الحال أن قالتها للسيد المسيح نفسه عند ظهوره لها للمرة الثانية "يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لى أين وضعته وأنا آخذه" (يو20: 15). وكانت قد ظنت أنه البستانى ولم تعلم أنه يسوع (أنظريو20: 15،14).

وحينما ناداها السيد المسيح بإسمها قائلاً "يامريم" (يو 20 : 16)، كان يريد أن يعاتبها على كل هذه البلبلة والشكوك التى أثارتها حول قيامته، وعلى ما هى فيه من شك فى هذه القيامة المجيدة، ثم رغبتها فى الإمساك به لئلا يفلت منها مرة أخرى بعد أن أمسكت سابقاً قدميه وسجدت له فى ظهوره الأول لها مع العذراء مريم ( أنظر مت28: 9).

فى هذه المرة قال لها مؤنباً "لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد إلى أبى" (يو20: 17). كان هذا تأنيباً شديداً لها لأنها شكّت فى قيامته، وتريد أن تمسكه لئلا يختفى مرة أخرى...

إنها بشكها فى قيامته تكون فى شك من قدرته الإلهية فى أن يقوم من الأموات. وكأنه ليس هو رب الحياة المساوى لأبيه السماوى فى القدرة والعظمة والسلطان. وبهذا يكون لم يرتفع فى نظرها إلى مستوى الآب... كما إنها تريد أن تمنع إختفائه من أمام عينيها لكى لا تشك فى القيامة... وبهذا تكون كمن يريد أن يمنع صعوده إلى السماء... وماذا يكون حالها بعد صعوده فعلاً ليجلس عن يمين الآب.

لهذا أمرها بصريح العبارة "إذهبى إلى إخوتى وقولى لهم إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم" (يو20: 17).

فى قوله هذا كان يقصد أن يقول لتلاميذه أن إلهكم  (أى الآب) قد صار إلهاً لى حينما أخليت نفسى متجسداً وصائراً فى صورة عبد، وسوف يصير أبى السماوى (الذى هو أبى بالطبيعة)، أباً لكم (بالتبنى) حينما أصعد إلى السماء، وأرسل الروح القدس الذي يلِدكم من الله فى المعمودية :

فبنزولى أخذت الذى لكم، وبصعودى تأخذون الذى لى.

فى هذه المرة فهمت مريم المجدليةأنها ينبغى أن تقبل فكرة صعود السيد المسيح الذى لم يكن قد صعد بعد بالرغم من إختفائه عن عينيها بعد قيامته، كما أنه بقى على الأرض أربعين يوماً كاملين بعد القيامة لحين صعوده إلى السماء أمام أعين تلاميذه وقديسيه.

لهذا "جاءت مريم المجدلية، وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب، وأنه قال لها هذا" (يو20: 18).

وكما عالج السيد المسيح شك توما فى يوم الأحد التالى لأحد القيامة، هكذا عالج شكوك المجدلية بظهوره لها مرة أخرى فى أحد القيامة، فى البستان...

كانت السيدة العذراء مريم عجيبة ومتفوقة فى إيمانها -فقد آمنت قبل أن ترى السيد المسيح قائماً من الأموات، وآمنت حينما أبصرته، وآمنت حينما أمسكت بقدميه وسجدت له... وقبلت صعوده فى تسليم كامل، لأنها كانت تعرف أنه ينبغى أن يجلس عن يمين أبيه السماوى، ولا يكون لملكه نهاية، حسبما بشرها الملاك قبل حلول الكلمة فى أحشائها متجسداً... لهذا حقاً قالت لها اليصابات بالروح القدس "طوبى للتى آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب" (لو1: 45).     

باكورة الراقدين

         ربط القديس بولس الرسول قيامة السيد المسيح بقيامة الأموات ربطاً حتمياً حتى أنه قد قال : "إن لم تكن قيامة أمواتٍ فلا يكون المسيح قد قام" (1كو15: 13).

إن السيد المسيح قد ذاق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد، وهكذا أيضاً قام لأجل كل واحد.

 بموته أوفى الدين الذى علينا، وفى قيامته وهبنا نعمة القيامة والحياة الجديدة الأبدية.

 فى موته عن الخطايا حل مشكلة الخطية، وفى قيامته حل مشكلة الموت.

القديس بولس الرسول يقصد أنه : ما فائدة قيامة السيد المسيح، إن لم تكن هناك قيامة للأموات...؟

إن الإيمان بقيامة السيد المسيح، يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالإيمان بقيامة الأموات.

وإعتبر القديس بولس أن الإيمان بالقيامة هو عماد الكرازة الرسولية، ولهذا قال : "إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم. ونوجد نحن أيضاً شهود زور لله لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح وهو لم يقمه إن كان الموتى لا يقومون. لأنه إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم. أنتم بعد فى خطاياكم. إذاً الذين رقدوا فى المسيح أيضاً هلكوا. إن كان لنا فى هذه الحياة فقط رجاء فى المسيح فإننا أشقى جميع الناس. ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (1كو15: 14-20).

إن قيامة السيد المسيح هى برهان أنه هو هو نفسه إبن الله الأزلى المولود من الآب قبل كل الدهور، الذى إنتصر على الموت بقيامته. وبرهان أن ذبيحة الصليب قد أوفت كل ديون الخطية، لأنها ذبيحة الإبن الوحيد القادرة أن تغفر خطايا العالم كله. هى ذبيحة غير محدودة فى قيمتها لأنها ذبيحة الله الظاهر فى الجسد. ودمه الذى سفك هو دم إلهى؛ متحد باللاهوت، قادر أن يغسل ويطهّر الخطايا.

لهذا قال القديس بولس "إن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم. أنتم بعد فى خطاياكم". فلا غفران للخطايا، إلا بذبيحة الإبن الوحيد. هى الذبيحة الحقيقية القادرة أن تخلَّص جميع البشر.

وفى تعبيره عن الإيمان بالحياة الأبدية الموهوبة لنا من الله فى المسيح أكّد القديس بولس أن الإيمان بالمسيح -بما يقترن به من تضحيات فى هذه الحياة الحاضرة- يصير شقاءًا لا مبرر له بدون القيامة وميراث الحياة الأبدية.

فالقيامة هى التى أثبتت أن الروح الإنسانية تبقى بعد موت الإنسان بالجسد، وتعود الروح لتتحد بجسدها الخاص عند قيامة هذا الجسد. إذ أن الروح هى التى تحيى هذا الجسد.. ولكى يحيا يلزمه أن تعود الروح إليه مرة أخرى.

الإيمان بالقيامة يُعنى الإيمان بالحياة الآخرة، والإيمان بالفردوس كموضع إنتظار لأرواح القديسين الذين رقدوا.

وقد وعد السيد المسيح اللص اليمين على الصليب قائلاً "الحق أقول لك إنك اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو23: 43).

وقال معلمنا بولس الرسول "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. ذاك أفضل جداً" (فى1: 23).

وقال "لى الحياة هى المسيح، والموت هو ربح" (فى1: 21).

ولهذا ففى إستنكاره لعدم الإيمان بالقيامة، وبالحياة الآخرة سواء فى الفردوس حالياً، أو فى الملكوت بعد مجئ السيد المسيح الثانى، قال القديس بولس الرسول كلماته التى أوردناها سابقاً : "إن لم يكن المسيح قد قام.. إذاً الذين رقدوا فى المسيح أيضاً هلكوا" (1كو15: 17،18).

أى أن الإيمان بالقيامة معناه الإيمان بإستمرار بقاء الإنسان بنفس شخصه، بالرغم من رقاد الجسد المؤقت.. لأن روحه باقية، وسوف تنضم إلى جسدها المقام من الأموات عند مجئ  المسيح.

وفى هذه الملحمة الرائعة : جاءت قيامة السيد المسيح كإعلان مبكر عن الحياة الأبدية. وهذا هو معنى قول القديس بولس الرسول "الآن قد قام المسيح من الأموات، وصار باكورة الراقدين" (1كو15: 20)

ضرورة التجسد الإلهى :

         أكّد القديس بولس الرسول على إنسانية السيد المسيح. لأن ذبيحة الإبن الوحيد المولود من الآب قبل  كل الدهور، هى ذبيحة إنسانية -فداءًا عن الجنس البشرى- قدّمها الإبن الوحيد بتجسده الإلهى وصيرورته إبناً للإنسان؛ بإنسانية كاملة متحدة باللاهوت إتحاداً تاماً منذ اللحظة الأولى للتجسد.

لذلك قال القديس بولس "فإنه إذ الموت بإنسان. بإنسان أيضاً قيامة الأموات. لأنه كما فى آدم يموت الجميع هكذا فى المسيح سيُحيا الجميع" (1كو15: 21،22).

كما عصى آدم الله حتى الموت، هكذا أطاع السيد المسيح -من جهة إنسانيته- الله حتى الموت. كما هو مكتوب عنه "إذ وُجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت. موت الصليب" (فى2: 8).

هذا الإنسان : يسوع المسيح.. لم يكن شخصاً آخر غير إبن الله الوحيد بل هو هو نفسه، بنفس شخصه قد صار إنساناً دون أن يفقد ألوهيته. ولهذا نادى القديس بولس قائلاً "يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد" (عب13: 8). فهو الرب الأزلى وهو المخلّص الذى تجسد وصلب وقام من بين الأموات ليقيمنا أيضاً معه.

الأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه

         قبيل صعود السيد المسيح إلى السماء، أوصى تلاميذه أن لا يبرحوا من أورشليم إلى أن ينالوا قوة متى حل الروح القدس عليهم. "أما هم المجتمعون فسألوه قائلين : يا رب هل فى هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ فقال لهم : ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه" (أع1: 6،7).

كان السيد المسيح قد أخلى ذاته من المجد الأزلى الخاص به مع الآب والروح القدس، وذلك حينما ظهر فى الجسد.. فى صورة عبد.. فى هيئة إنسان متضع، مطيع للآب السماوى.. لذلك خاطب الآب فى مناجاته قبل الصليب قائلاً : "مجدّنى أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم" (يو17: 5).

وكان وهو فى دائرة الإخلاء ينسب السلطان والمجد إلى الآب، إلى أن يعود إلى مجده مرة أخرى، بصعوده إلى السماء كقول الكتاب "عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد، تبرر فى الروح، تراءى لملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به فى العالم، رُفع فى المجد" (1تى3: 16).

فعندما صعد الإبن الوحيد الذى تجسد، دخل إلى مجده السمائى. ولهذا قيل "رُفع فى المجد" (1تى3: 16). لهذا قال الكتاب "صعد الله بالتهليل، الرب بصوت البوق" (مز47: 5). وقيل أيضاً "إرفعوا أيها الملوك أبوابكم، وإرتفعى أيتها الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد" (مز24: 7). إن ملك المجد هو الذى رفع فى المجد.

حينما صعد السيد المسيح جسدياً، دخل بجسده إلى المجد كسابق لنا، وكرأس للكنيسة، وكرئيس كهنة أعظم.. "دخل مرة واحدة إلى الأقداس.. فوجد فداءً أبدياً" (عب9: 12).

وهناك فى مجده مارس سلطانه الإلهى مثل الآب تماماً بنفس المجد والكرامة ولهذا يصلى الكاهن فى القداس ويقول }وصعد إلى السماوات وجلس عن يمينك أيها الآب ورسم يوماً للمجازاة، هذا الذى يأتى فيه ليدين المسكونة بالعدل. ويعطى كل واحد حسب أعماله{ (القداس الباسيلى).

فى وجوده على الأرض قبل الصعود قال للتلاميذ "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه" (أع1: 7). أما عند دخوله إلى الأقداس السمائية، أى بدخوله إلى مجده فإن سلطان الآب هو سلطانه كما هو منذ الأزل.

ولكنه حينما أخلى نفسه من المجد كان ينسب السلطان الإلهى إلى الآب.

وفى مجئ السيد المسيح الثانى للدينونة قال عن مجيئه عبارتين متساويتين : "متى جاء إبن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه" (مت25: 31) و"إن إبن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته.." (مت16: 27). فمجده فى مجيئه الثانى للدنيونة هو نفسه مجد أبيه. وليس هذا غريباً عمن قيل عنه أنه هو بهاء مجد الآب" (أنظر عب 1: 3).

السيد المسيح بإتضاع عجيب كان يتكلم عن سلطان الآب أثناء وجوده على الأرض مخلياً ذاته.

وكانت رسالته فى إخلائه لنفسه هى أن يتمم الفداء بطاعة حتى الموت، موت الصليب "لذلك رفّعه الله أيضاً وأعطاه إسماً فوق كل إسم. لكى تجثو بإسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (فى2: 9-11).

وقيل أيضاً عن السيد المسيح أنه هو "رب المجد" (1كو2 :8).

وبما أنه هو "رب المجد" و"رب لمجد الله الآب".. كان من الطبيعى جداً بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا، أن يجلس فى يمين العظمة فى الأعالى (أنظر عب1: 3)، وأن يحدد بنفسه يوماً للمجازاة، هو يوم مجيئه للدينونة.

وفى رؤيا دانيال النبى تكلّم عن سلطان السيد المسيح ومجده فقال : "كنت أرى فى رؤى الليل وإذا مع سُحب السماء مثل إبن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام. فقرّبوه قدّامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دا7: 13،14).

لقد أعطى السيد المسيح تلاميذه نموذجاً ومثالاً فى الإتضاع وفى الخضوع لمشيئة الآب السماوى وفى التخلى عن مظاهر التباهى بالمعرفة حينما قال لهم "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه"، ناسباً السلطان لأبيه : مع أن سلطان أبيه هو سلطانه، ومجد أبيه هو مجده وملكوت أبيه هو ملكوته.. بل إن ملكوت الآب يُنسب إلى الإبن كقول الكتاب "ملكوت إبن محبته" (كو1: 13).

تعليم السيد عن عدم مقاومة الشر

          قال السيد المسيح "لا تقاوموا الشر. بل من لطمك علىخدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضاً" (مت39:5). وقال : "من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فإترك له الرداء أيضاً" (مت5 :40)، وليس المقصود بكلمة لا تقاوموا الشر أن لا نقاوم الخطية فالكتاب يقول : "قاوموا إبليس فيهرب منكم" (يع4 :7)، فمقاومة الشر تعنى مقاومة الخطية.. ليس هذا ما قصده السيد المسيح بقوله لا تقاوموا الشر بل كان يقصد بالشر المشاجرة والعدوان مع الآخرين. وقد قال الكتاب أيضاً "إن جاع عدوك فإطعمه وإن عطش فإسقه لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه، لا يغلبنك الشر بل إغلب الشر بالخير" (رو12 :20،21). والرب يجازيك لأنه مكتوب "لى النقمة أنا أجازى يقول الرب" (رو12 :19).

ويدعونا أيضاً بطرس الرسول أن نتشبه بالسيد المسيح "الذى إذ شُتِم لم يكن يَشتم عوضاً وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضى بعدل" (1بط2 :23). عندما شُتِم السيد المسيح لم يكن يَشتم عوضَّا بل سلّم لله الآب. ونتيجة لذلك عندما قام من الأموات كل الذين شتموه صاروا فى خزى وخجل. لأن الذى شتموه قد إنتصر على الموت، والذى قالوا عنه أنه مجدِّف ومضل أُعلن لهم أنه هو رئيس الحياة وقدوس القديسين، من خلال إنتصاره على الموت وقيامته المجيدة.. فالذى شَتَم هو الذى صار مخزياً وليس الذى شُتِم.

وبهذا قدّم لنا السيد المسيح تطبيقاً عملياً فى حياته لما علّم به تلاميذه والجموع.

إغلب بالمحبة وروح الوداعة :

         لقد إحتمل السيد المسيح الخزى فى لحظات الآلام والصلب، لكن بعد هذا تحول كل ذلك إلى مجد.. فعندما قال السيد المسيح "لا تقاوموا الشر" كان يعلم أن هذا الكلام هو من أجل منفعتنا. لأن من يقاوم الشر فالشر يؤذيه.. وعندما قال السيد المسيح "أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم" (مت5 :44) كان يقصد أننا نغلب أعداءنا بالمحبة، لأن الذى يغلب عدوك هو محبتك أكثر من عداوتك وكراهيتك.

الإنسان الذى يستخدم العنف هو إنسان لا يستحق أن يكون مسيحياً بل تكون نتيجة عنفه أذيته هو أكثر مما يستطيع أن يؤذى غيره، فالعنف لا يعطيه نصرة أو مجد كما يتصور إنما يسبب له أذية أكثر مما يتوقع. فوصايا السيد المسيح ليست لتقيدنا كما يفتكر البعض، أو يقول أن الوصية صعبة. لكن الحقيقة أن السيد المسيح يسعى لأجل منفعتنا، لأنك إن فعلت ذلك ينجيك من الشر الذى يمكن أن يؤذى روحك.

إغلب الشر بالخير :

         لا يغلبنك الشر بل إغلب الشر بالخير، فإذا قدّمت محبة للذى يخاصمك، تغلبه بمحبتك وتكون أنت الذى إنتصرت. لكن بدل أن تنتصر بقوة السلاح تنتصر بقوة الخير وقوة الحب الساكن فيك. وإذ يأمرنا السيد المسيح بهذا لا يدعونا أن نكون جبناء أو أن نخاف، فهو الذى قال : "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر" (لو12 :4)، وهو الذى شجّع أولاده أن يصيروا شهداء كالشهيدة دميانة والأربعين عذراء...أين الجبن هنا؟!

الإنسان المسيحى مستعد أن يواجه الأباطرة والحكام وينال إكليل الشهادة إذا طُلب منه أن يتنازل عن مسيحيته، كما طُلب من القديسة دميانة أن تبخر للأصنام أو تسجد لها ولكنها دفعت والدها مرقس والى البرلس أن يصير شهيداً، بل وصارت هى أيضاً أميرة بين الشهيدات.

مفهوم الشجاعة فى المسيحية :

         المسيحية لا تدعو الإنسان إلى الخوف، أو إلى الجبن، بل تدعوه أن يكون قوياً شجاعاً، ولكن الشجاعة ليست أن يحمل سلاحاً، ولا يطمئن لشئ يحميه إلا السلاح! فيبدو فى الظاهر أنه شجاع لكنه فى الحقيقة من الداخل لا يجد سلاماً أو طمأنينة.

أما القديسون فيشعرون دائماً بعدم خوف... لماذا؟ لأن "ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم" (مز34 :7). الإنسان القديس أو الإنسان المؤمن، بل الإنسان المسيحى الحقيقى، يشعر أن الملائكة تحرسه، ويشعر أن أرواح القديسين تحرسه وتشفع من أجله. فيشعر بالطمأنينة ويصدّق كلمات السيد المسيح الذى قال : "بل شعور رؤوسكم أيضاً جميعها محصاة" (لو12 :7)، و"شعرة من رؤوسكم لا تهلك" (لو21 :18)، بذلك يشعر أنه ليس بحاجة أن يرخِّص سلاحاً كى يحميه. فإستخدام السلاح هو إلقاء وقود على النار، بينما الكتاب المقدس يقول : "لا يغلبنك الشر بل إغلب الشر بالخير" (رو12 :21).. أفضل سلاح تستخدمه هو سلاح المحبة، سلاح الوداعة... السيد المسيح قال : "طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض" (مت5 :5).

الودعاء يرثون الأرض :

         ما معنى أنهم يرثون الأرض؟  الإنسان الوديع يكون محبوباً من جيرانه، ومحبوباً من أهله وبحبه هذا  يستطيع أن يرث الأرض لأن كل الناس صاروا مِلكاً له. وإذ يحبه الناس  يصيرون  مِلكاً له أى يملك على قلوبهم،  فأنت تملك جارك وتملك بيته وتملك حقله وتملك كل شئ فيه.. وكيف ذلك؟  لأنه يحبك وإذا أحبك فأنت تملك كل شئ.. البغضة تجعل الإنسان منبوذاً مكروهاً غير مرغوب فيه. هكذا فإن كل من يكره يخسر، بينما ينجح من يحب.

أعظم سلاح يستخدمه الإنسان لكى يغلب عدوه هو سلاح الحب وليس سلاح الكراهية.. ويقول القديس يوحنا ذهبى الفم ]أفضل وسيلة تتخلص فيها من عدوك هى أن تحول هذا العدو إلى صديق[، تحول عدوك إلى صديق وبذلك تكون قد تخلّصت منه، ليس بالقضاء  عليه، أو بقتله، أو أذيته، لكن تخلّصت منه كعدو إذ حولته إلى صديق، وصار هذا الصديق يحبك فلم يعد عدواً على الإطلاق. كما أنك تكون قد كسبت صديقاً جديداً وهكذا يتزايد عدد الذين يحبونك.

شمس البر الشافية

         قال السيد المسيح "أنا قد جئت نوراً إلى العالم حتى كل من يؤمن بى لا  يمكث فى الظلمة" (يو12: 46) وقال أيضاً "أنا هو نور العالم. من يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يو8: 12). إستطاع السيد المسيح أن يغيِّر حياة الكثيرين ويجعلهم يتركون حياة الشر والخطية ويحولهم إلى قديسين. وهكذا تغيرت صورة البشرية من صورة مهلهلة وممزقة وضائعة يسيطر عليها الموت، إلى صورة تنهض لكى تسترد كرامتها مرة أخرى. فيقول الكتاب "الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله" (يو1: 12). مثلما قال أشعياء لأورشليم "قومى إستنيرى لأنه قد جاء نورك ومجد الرب قد أشرق عليك" (أش60: 1). وقال ملاخى النبى "ولكم أيها المتقون إسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها" (مل4: 2). ما هى الشمس التى لها أجنحة شافية؟!...

شمس البر والشفاء فى أجنحتها :

         ربنا يسوع المسيح الذى كان معلقاً على الصليب وذراعاه ممدودتان كان هو شمس البر المجنحة لليمين ولليسار وهو ينادى قائلاً "تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم" (مت11: 28). فقد كان -على الصليب- يمثل أحضان الله المفتوحة، كما يمثل النور الذى أشرق على عالم مظلم سيطرت عليه الخطية فجاء هو نوراً للعالم وأضاء للخطاة لكى يتوبوا ويبدأوا حياة جديدة مع الله.

التحرر من سيطرة الشيطان :

         كثير من الخطاة الذين كانت عليهم أرواح شريرة تحرروا من سلطان الشيطان على يدى السيد المسيح. فقد أخرج من مريم المجدلية مثلاً سبعة شياطين... والمجنون الأعمى والأخرس أخرج منه ستة آلاف شيطان. لأن الشيطان قال "إسمى لجئون لأننا كثيرون" (مر5: 9). ولجئون معناها كتيبة قوامها ستة آلاف جندى. ولذلك لما خرج هذا اللجئون من الإنسان ودخل فى قطيع الخنازير الضخم. إندفع القطيع  من الجرف إلى البحر. وكان نحو ألفين. فإختنق ومات أنظر (مر5: 12-14).

كان هذا لكى نعرف كيف كان للشيطان سلطان على الإنسان المسكين، ذلك الذى جاء السيد المسيح ليحرره. "وكانت شياطين تخرج من كثيرين وهى تصرخ وتقول أنت المسيح إبن الله" (لو4: 41) وكانت تصرخ أيضاً قائلة "مالنا ولك يا يسوع إبن الله. أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا" (مت8: 29). فكانت جحافل الظلمة تهرب من أمام وجهه. ولهذا قال لهم "إن كنت لست أعمل أعمال أبى فلا تؤمنوا بى" (يو10: 37).

نور أشرق :

         هو نور، وقد أشرق فعلاً فلا يستطيع  أى شيطان  أن يقف فى طريقه... وكان هذا النور يزحف وفى زحفه تهرب الظلمة وتنهزم أمامه. ففى كل مكان كان يذهب إليه السيد المسيح كانت مملكة الشيطان تهتز. ولذلك قال اليهود "ما هو هذا التعليم الجديد لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه" (مر1: 27).

بهتت الجموع من إخراج الشياطين لأنه لم يقدر أى نبى قبل السيد المسيح أن يخرج شيطاناً من إنسان. لهذا قال السيد المسيح لليهود "إن كنت أنا بإصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله" (مت12: 28).

وقد تاب كثير من الخطاة على يدى السيد المسيح : مثل المرأة الخاطئة التى غسلت رجليه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها (أنظر لو7: 36-50). وزكا العشار الظالم المحب للمال (أنظرلو19: 1-10). ولاوى الذى كان جالساً عند مكان الجباية "فقال له إتبعنى. فقام وتبعه" تاركاً كل شئ (مر2: 14). والمرأة الزانية التى "أُمسكت وهى تزنى فى ذات الفعل ... فقال لها يسوع ولا أنا أدينك إذهبى ولا تخطئى أيضاً" (يو8: 4).

ما حدث؛ كان عبارة عن حالة زحف عجيب جداً...!! حياة تسرى على وجه الكرة الأرضية مثل نور الصباح إذا أشرقت الشمس، أو مثل النار إذا إشتعلت فى حقل تبن فلا يستطيع أحد أن يطفئها. ولذلك شعر الشيطان إن مملكته أصبحت فى خطر.. فلم يكن أمامه إلا حل واحد فقط وهو أن يتآمر على قتل السيد المسيح.

الحل الوحيد :

         لم يستطع الشيطان أن يقف صامتاً وهو يرى حصونه المنيعة تدك الواحدة تلو الأخرى. فقد كانت حصونه تنهار وتتساقط، وصورته هو وجنوده الشياطين  تهتز فى نظر الجميع، لأنه عجز عن الدفاع عن مملكته. فلم يجد أمامه وقتئذ، إلا حلاً واحداً وهو أن يتآمر على قتل السيد المسيح.. وبالرغم من خوفه هو شخصياً من قتل السيد المسيح لأن النبوات قد أشارت إلى أنه بقتل السيد المسيح يتم الخلاص والفداء إلا أنه لم يجد أمامه حلاً أخر.

بين نارين :

         كان الشيطان كمن هو قائم بين نارين : نار النبوات التى تقول "الرب وضع عليه إثم جميعنا" (أش53: 6) و"جعل نفسه ذبيحة إثم" (أش53: 10) و"مجروح لأجل معاصينا" (أش53: 5)، ونار الهزيمة التى كان ينهزم بها أمام السيد المسيح.

أما السيد المسيح فقد كان يخفى ألوهيته فى بعض المواقف، ويظهر شيئاً من الضعف البشرى لكى يجعل الشيطان يفقد حذره. فكان يتعب من المشى مثلاً، أو يجوع ويعطش. فحينما كان الشيطان  يرى منه ذلك كان يطمئن ويظن أن فى إمكانه التخلص من السيد المسيح. وإذ رآه يبكى عند قبر لعازر تشجّع أن يكمل المؤامرة التى بدأها.

لماذا يغامر الشرير ؟

         لماذا يحب الشرير أن يغامر فى مؤامراته؟.. يغامر الشرير لأن قوة الحقد التى فى داخله  أقوى من قوة الحذر المحيطة به. فهو يشعر أنه يخاطر، لكنه لا يستطيع ألا يدخل فى المخاطرة. لأن الغيظ والحقد والكراهية تعمى بصره عن أن يحذر فيما هو مزمع أن يفعله..!!

وهذا ما حدث فعلاً : فقد هيّج الشيطان اليهود وكثير من الأشرار. ووضع فى قلب يهوذا الإسخريوطى أن يسلِّم سيده وتمم المؤامرة وتم الصلب، حيث تم الفداء. فعلى الصليب سحق السيد المسيح كل مملكة الشيطان، وهزمه فى عقر داره. وهناك فى الجحيم حطّم المتاريس وأطلق المسبيين وأصعدهم إلى السماء الثالثة أو الفردوس. ثم عاد من الفردوس ليقوم من بين الأموات فى اليوم الثالث وظهر لتلاميذه مؤكداً أن قوة الحياة التى فيه هى أقوى من الموت الذى لنا. وقال لتلاميذه أنه سوف يمضى لكى يعد لهم ملكوتاً أبدياً سوف يستعلن فى مجيئه الثانى، حينما يأتى ليدين العالم كله.

ما بين الجسد والروح

     كما أن الجسد يحتاج إلى الطعام المادى ليعيش وينمو، هكذا أيضاً الروح تحتاج إلى الغذاء الروحى لكى تعيش ولكى تنمو.

لهذا قال السيد المسيح "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت4:4). وبقوله "ليس بالخبز وحده" كان يقصد أنه إلى جوار الخبز المادى اللازم لحياة الإنسان من ناحية جسده، فإن هناك كلمة الله لحياة الإنسان من جهة روحه.

وقال أيضاً السيد المسيح "الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة" (يو6: 63). وقال "أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم" (يو6: 51).

عموماً الروح تحتاج إلى الغذاء الروحى لتحيا وتنمو تماماً مثلما يحتاج الجسد إلى الطعام الجسدى ليحيا وينمو.

الحواس الخمس :

         لكل إنسان خمس حواس جسدية ونظيرها خمس حواس روحية. وقال السيد المسيح إن "المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح" (يو3: 6).

فالإنسان الجسدانى تقوى عنده الحواس الجسدية وتقود حياته، والإنسان الروحانى تقوى عنده الحواس الروحية وتقود حياته.

فحاسة السمع الروحية مثلاً تجعل الإنسان قادراً على سماع صوت الله بوضوح. مثلما قال السيد المسيح "والخراف تسمع صوته" (يو10: 3).

وقال أيضاً "كل من هو من الحق يسمع صوتى" (يو18: 37).

وعن ذلك يقول المزمور "إنى أسمع ما يتكلم به الرب الإله لأنه يتكلم بالسلام لشعبه ولقديسيه وللذين رجعوا إليه من كل قلوبهم" (مز84 (85): 8). الإنسان الروحى يسمع صوت الإله واضحاً فى حياته. يسمع وصايا السيد المسيح ويفهمها. يسمع صوت الروح وينقاد لهذا الصوت فى داخله لأن "الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رو8: 14).

نأخذ مثلاً التليفون اللاسلكى، لكل جهاز مدى للإستقبال لا يستطيع بعده أن يلتقط موجات الإرسال.

فكلما قويت حاسة السمع الروحية فى الإنسان كلما إزداد صوت الله وضوحاً فى عقله وقلبه وحياته.

وجهاز التليفون اللاسلكى يحتاج إلى شحن للبطاريات لكى يكون قادراً على إستقبال الموجات اللاسلكية. هكذا أيضاً يحتاج الإنسان الروحى إلى شحنة روحية، بأن يمتلئ من الروح القدس لكى يصير له القدرة على الإستماع إلى صوت الله.

والإمتلاء من الروح القدس يحصل  بممارسة الوسائط الروحية مثل ممارسة التوبة والإعتراف والتناول من الأسرار المقدسة. وكذلك من ممارسة الجهادات الروحية بإتضاع مثل الصوم والصلاة وإحتمال الضيق والمشقات والآلام، مثلما قال القديس بطرس الرسول "كما إشتركتم فى آلام المسيح افرحوا. لكى تفرحوا فى إستعلان مجده أيضاً مبتهجين. إن عُيّرتم باسم المسيح فطوبى لكم لأن روح المجد والله يحل عليكم" (1بط4: 13،14). 

إن من يحتمل الآلام من أجل المسيح يصير أهلاً لأن يحل عليه "روح المجد والله".

ممارسة الحياة الروحية والمواظبة علىالعبادة بحرارة والصلوات المتواصلة من قلب خاشع تؤهّل الإنسان للإمتلاء من الروح القدس.

قراءة الأسفار المقدسة بروح الصلاة والتأمل والشوق الحار لمعرفة الله تؤهّل الإنسان للإمتلاء من الروح القدس. لهذا نقف بخشوع فى الكنيسة أثناء قراءة الإنجيل المقدس لكى نؤهّل لهذا الإمتلاء. وتغتذى أرواحنا بكلمات الإنجيل وتتقوّى حاسة السمع الروحية فينا.

الميلاد الفوقانى :

         كيف توجد الحواس الروحية فى الإنسان؟

هذا الأمر شرحه السيد المسيح لنيقوديموس حينما قال له "إن كان أحد لايولد من فوق (من الماء والروح) لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يو3: 3،5). بمعنى أن الروح القدس يخلق فينا فى المعمودية حواساً خمس روحية تؤهلنا لميراث الحياة الأبدية. ومن ضمن هذه الحواس الخمس الروحية حاسة النظر التى يمكن للإنسان بها أن يعاين ملكوت الله. لهذا قال معلمنا بولس الرسول "إن كان أحد فىالمسيح فهو خليقة جديدة" (2كو5: 17). إن الروح القدس يخلق فينا بالفعل هذه الحواس وينميها بعد ذلك بوسائط النعمة الروحية.

العذارى الحكيمات

         تكلمنا فى المقال السابق عن الحواس الخمس الروحية التى يخلقها الروح القدس فى الإنسان المؤمن فى المعمودية؛ مثل البصيرة الروحية التى يمكننا بها أن نعاين ملكوت الله.

والحواس الخمس الروحية المنيرة ترمز إلى مصابيح الخمس عذارى الحكيمات. والآنية الممتلئة من الزيت ترمز إلى إمتلاء قلب الإنسان من الروح القدس. حيث ينير الروح القدس الحواس. مثلما قال السيد المسيح "إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيّراً" (مت6: 22). فالحواس التى يعمل فيها الروح القدس تجعل الجسد مقدساً منيراً خالياً من شوائب الخطية وظلمتها.

لذلك قيل عن الأبرار : "حينئذٍ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم" (مت13: 43).

اليد اليمنى لها خمس أصابع، وأصحاب الحواس الخمس الروحية المنيرة سوف يكون نصيبهم عن يمين الملك المسيح. إذ يقيم الخراف عن يمينه.

واليد اليسرى لها خمس أصابع، وأصحاب الحواس الخمس المظلمة سوف يكون نصيبهم عن يسار الملك المسيح. إذ يقيم الجداء عن يساره.

هذه الحواس الخمس عموماً هى البصر، والسمع، والشم، واللمس، والتذوق.

1- حاسة البصر الروحية يستطيع الإنسان الروحى أن يعاين بها ملكوت الله.

2- وحاسة السمع الروحية يستطيع الإنسان الروحى أن يستمع بها إلى صوت الله، وإلى تسابيح السمائيين.

3- وحاسة الشم الروحية يستطيع الإنسان الروحى أن يستنشق بها ويشم رائحة المسيح الذكية، ورائحة  حياة القداسة كقول سفر النشيد عن السيد المسيح "لرائحة أدهانك الطيبة، إسمك دهن مهراق. لذلك أحبتك العذارى" (نش1: 3) وأيضاً "مادام الملك فى مجلسه أفاح ناردينى رائحته" (نش1: 12). هذه الرائحة الذكية تملأ نفس الإنسان الروحى بالنشوة الروحية وتتزايد محبته للسيد المسيح وتأسره هذه المحبة. فما أجمل تعبير رائحة الناردين الخالص الكثير الثمن عن رائحة موت السيد المسيح، التى هى رائحة الحياة، لأنها رائحة الحب. وحيث يكون الحب فهناك الحياة لأن "الله محبة". وقد صدق الفيلسوف الفرنسى الذى قال ]أن نحب معناها أن نوجد[. بمعنى أنه لا معنى للوجود بدون المحبة.

كان قبول السيد المسيح للناردين من المرأة ساكبة الطيب، هو قبول لموته بدافع الحب. لهذا قال "أنها ليوم تكفينى قد حفظته" (يو12: 7). إنه قبول للموت من منطلق الحياة. أى هو موت محيى، ورائحة حياة لحياة فى الذين يخلصون.

4- وحاسة اللمس الروحية يستطيع الإنسان الروحى أن يتلامس بها مع عمل الله وحضوره فى حياته.

إن المرأة نازفة الدم قد قالت فى نفسها "إن مسست ولو ثيابه شفيت" (مر5: 28). لذلك فالإنسان الذى يتلامس مع الحق الذى فى المسيح ويدرك الحد الفاصل بين النور والظلمة، يكون كمن لمس هُدب ثوبه، فينال الشفاء.

إن لمسة بسيطة من يد السيد المسيح الشافية تستطيع أن تنزع الخطية مثلما طهر الأبرص حينما مد السيد يده ولمسه وقال "أريد فإطهر" (مت8: 3) فللوقت طهر برصه وشفى.

هناك لمسات كثيرة يعملها الله فى حياة الإنسان ويحسها الإنسان الروحى. ويقول مع عروس النشيد "شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى" (نش2: 6، 8: 3). إن من يتلامس مع الله يصير الرب له سنداً قوياً فى حياته كما قيل عن هذه العروس "من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها" (نش8: 5).

5-وحاسة التذوق الروحية يستطيع الإنسان الروحى أن يتذوق بها حلاوة الحياة مع الله.

يقول الكتاب "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" (مز34: 8).

وتقول عروس النشيد "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبى بين البنين، تحت ظله إشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى" (نش2: 3).

هذه المذاقة الروحية جعلت كثير من القديسين ينسون كل مسرات العالم ومشتهياته، لأن مذاقة حب السيد المسيح كانت أشهى من كل أطياب العالم.

فى هذه العشرة العجيبة دخلت عروس النشيد، وإستغرقتها مشاعر الحب حتى نسيت كل ماعداه وأنشدت قائلة "ليقبلنى بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر" (نش1: 2).

وكلما أعطى الإنسان نفسه الفرصة ليتذوق حلاوة المسيح، كلما زادت أشواق الحياة معه.

الباب الضيق

         قال السيد المسيح "أدخلوا من الباب الضيّق. لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذى يؤدّى إلى الهلاك. وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذى يؤدّى إلى الحياة. وقليلون هم الذين يجدونه" (مت7: 13،14)

         لقد رسم السيد المسيح بحياته طريق الأمجاد، وبعدما تألّم على الصليب قال لتلاميذه "كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده" (لو24: 26).

وكان دائماً يردد أن من أراد أن يتبعه فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعه (أنظر لو9: 23).

التلمذة للمسيح تحتم حمل الصليب. وبدون الصليب تصير المسيحية كالعروس بلا عريس.

والحياة مع المسيح فيها شركة الآلام مع المسيح كقول معلمنا بولس الرسول "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته" (فى3: 10) وقال أيضاً "كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً" (2كو1: 5)

من أراد أن يلتقى مع المسيح فلن يمكنه أن يلتقى به إلا فى طريق الصليب، فى طريق الآلام، فى الطريق الكرب، ومن الباب الضيّق.

ولكن من يدخل إلى هذا الطريق، يجد هناك تعزيات كثيرة.. فكثيرون يحاولون تخيّل شكل السيد المسيح، وصورته البهية ويتمنون اللقاء به ليهنأوا بهذا اللقاء. ويوجد من هو مستعد أن يضحّى بكل غالٍ ونفيس فى سبيل أن يرى السيد المسيح ويلتقى به.

ولكن السيد المسيح رسم لنا طريقة الإلتقاء به.. هناك فى درب الصليب. إذ لا يمكن أن نلتقى مع المسيح بدون صليبه.. لأن صليبه هو قوة الله للخلاص.

الصليب هو سر القوة والنصرة على الخطية، وعلى محاربات الشيطان. والصليب هو علامة حب الله لنا، وهو أيضاً علامة المصالحة بإتمام الفداء وإيفاء الدين. فقبول الصليب هو قبول لمحبة الله ودخول إلى شركة الحب معه.

إن مجد المحبة هو أن تتألم من أجل من تحب. كما أن مجد الينبوع هو أن يروى ويسقى ويغسل.

فى درب الصليب تبدأ النفس فى الدخول إلى شركة العرس الروحى. وتبدأ فى تذوّق حلاوة المحبة المتبادلة بين المسيح والعروس.

حينما قال بولس الرسول "كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً" (2كو1: 5). كان يقصد أن الكنز المخفى لإكتشاف وتذوّق حلاوة الحياة مع المسيح هى من خلال قبول التألّم مع من أحبنا وسلّم نفسه كفارة عن خطايانا.

تطبيقات عملية :

1- الخدمة السهلة يتهافت عليها كثيرون، ولكنهم فى هذا النوع من الخدمة لن يتلامسوا مع قوة المسيح التى تعمل فى الخدمة، والتى تعين الآنية الخزفية.

ولكن من يقبل الدخول إلى الخدمة الصعبة، أو الخدمة الشاقة فهناك يختبر عمل الله فى الخدمة. ويبتدئ الرب يظهر هذا العمل فيتمجد الله، ويشعر الناس بحضور الرب وعمله.. فتدخل الخدمة إلى أعماق نفوس الناس.

لهذا قال السيد المسيح "إن كان أحد يخدمنى فليتبعنى، وحيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمى. وإن كان أحد يخدمنى يكرمه الآب" (يو12: 26).

المسألة تبدأ بقبول الصليب.. ويتبع ذلك عمل الآب فى الخدمة بصورة تفوق قدرات الإنسان الخادم البشرية. وهذه هى الكرامة الحقيقية التى لا يتوقعها الإنسان ولكنه يعايشها ويختبرها ويتعزى.

2- التضحية والعطاء بسخاء يستدعى قبول صليب التجرّد والزهد والفقر الإختيارى. كما كان القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم يصنع فى خدمته؛ وفى المقابل كان الرب يتمجّد ويغمر الخدمة ببركات كثيرة وأموال طائلة لأن “الأمين فى القليل أمين أيضاً فى الكثير" (لو16: 10). يضاف إلى ذلك أن القديس الأنبا أبرام لشدة عطفه وحنانه لمساعدة المرضى والمحتاجين، قد منحه الرب موهبة الشفاء وصنع المعجزات. حقاً قال السيد المسيح “ليس أحد ترك.. لأجلى.. إلا ويأخذ مئة ضعف" (مر10: 29-30).

3- الشهادة للحق :

جاء السيد المسيح إلى العالم ليشهد للحق. وقال "كل من هو من الحق يسمع صوتى" (يو18: 37). وقد بذل حياته ثمناً لشهادته للحق.

وفى وسط عالم يموج بالمتغيرات والصعوبات تكون الشهادة للحق ذات ثمن باهظ. مثلما حدث مع أرميا النبى الذى كانت رسالته لتوبيخ شعبه فى زمانه داعياً إياهم للتوبة. كما أوضح لنا قداسة البابا شنودة الثالث، وإحتمل أرميا النبى الكثير من أجل رسالته الصعبة. وهو الإنسان الوديع الباكى الذى كان يميل إلى البُعد عن المشاكل ولكن كانت إرادة الله له أن يتحمل هذه الأعباء التى تفوق طاقته.

4- الجهاد ضد الخطية :

يقول معلمنا بولس الرسول "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية. وقد نسيتم الوعظ الذى يخاطبكم كبنين يا إبنى لا تحتقر تأديب الرب ولا تخُر إذا وبخك" (عب12: 4،5).

إن الجهاد ضد الخطية هو من لوازم حياة التلمذة الحقيقية للمسيح. لهذا قال الكتاب "أما المتنعمة فقد ماتت وهى حية" (1تى5: 6).

لا يمكن أن يجتمع النور والظلمة معاً.. لهذا فالتوبة هى بداية الطريق إلى الله كقول السيد المسيح فى دعوته "توبوا لأنه قد إقترب ملكوت السماوات" (مت4: 17).

فى وسط جهادات الحياة الروحية يختبر الإنسان عمل الروح القدس وهو يقوده إلى موكب النصرة.. ليفرح فى وسط صفوف الأبرار.

ولكن دائماً يلزمنا أن نجاهد وأن "نحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمّله يسوع" (عب12: 1،2).

  مع العريس :

         وهكذا نرى فى كل جوانب الحياة مع الله أن اللقاء مع المسيح يلزمه معانقة وقبول الصليب. وأن من يهرب من الضيقة يهرب من الله؛ لأنه يفقد فرصة اللقاء معه، فى وسط الضيقة يحمله ويعزّيه. كقول السيد المسيح لعروس النشيد عن عشرته معها فى طريق الألم المؤدّى إلى حلاوة التعزية "قد دخلتُ جنتى يا أختى العروس. قطفتُ مُرّى مع طيبى. أكلتُ شهدى مع عسلى. شربتُ خمرى مع لبنى. كلوا أيها الأصحاب إشربوا وإسكروا أيها الأحباء" (نش5: 1).