تفسير إنجيل اليوم

ع1: تكاثرت الجموع خلف المسيح، فخرج بهم إلى الجبل ليحدثهم بكلامه المحيى.

والجبل يشير روحيا إلى الارتفاع عن الماديات، والقوة والثبات الروحى. وتكلم معهم فى خطاب طويل استغرق ثلاثة أصحاحات، ويُعتبر دستورا للمسيحية فيه أهم تعاليمها. وقد اقترب منه تلاميذه لمحبتهم فيه.

"صعد": كان هناك جموع كثيرة تتبع المسيح، وهى التى ذُكرت فى نهاية الأصحاح السابق. وحتى يسمعوه ويروه بوضوح، صعد مسافة صغيرة على الجبل وجلس، واقترب منه تلاميذه. أما باقى الجموع، فجلست أمامه على الأرض فى الوادى المتسع؛ وهذا الجبل هو أحد الجبال القريبة من كَفْرَنَاحُومَ فى الجليل.

ع2: بدأ المسيح يتكلم ويعلم الجموع بكلام مباشر، وهذه العظة هى من أشهر عظاته. وقد يكون كرر بعض معانيها فى مناسبات أخرى، ولكنها - من أهميتها - تُعتبر دستورا للمسيحية. وقد كانت عظته بمثابة تفسير للناموس، مضيفا إليه كمال الحياة المسيحية، فما جاء لينقض الناموس بل ليكمله (ع17).

ع3: بدأ المسيح حديثه بتشجيع أولاده ومدحهم، ليجاهدوا فى حياتهم الروحية، فأظهر لهم المكافأة، ليتحمسوا للعمل الروحى.

وأول مدح كان "المساكين بالروح"، أى المتضعين، لأن الاتضاع هو أساس كل فضيلة، كما أن الكبرياء هو الخطية الأولى التى أسقطت آدم، وأيضا الشيطان. وبالتالى، فالمتضع يضمن ملكوت السماوات الأبدى بحلول الله فى قلبه بملكوته الروحى، فيفرح ويتمتع كل حين.

ع4: ثم يمدح الحزانى على خطاياهم، أى التائبين، ومن يحزنون على خطايا الآخرين، فيصلّون لأجلهم، لأن الله يعطيهم سلاما فى قلوبهم فى هذه الحياة، ثم تعزيات سماوية وأمجاد فى الأبدية.

ومن أجل هذا، أحب أولاد الله الدموع والندم على الخطية، ليحيوا فى البر بقلوب رقيقة، تشعر بحنان الله وغفرانه، وتشكره كل حين. وهذا الحزن طبعا غير الحزن على فقدان الماديات، أو عدم الحصول عليها، فهذا حزن باطل ينبغى التحرر منه.

ع5: إذ يتحلّى الإنسان بالتوبة، تهدأ نفسه، فيصير وديعا فى داخله لا ينفعل لأى مكسب أو خسارة. وعلى قدر قوة علاقة الروح بالله، يهدأ الجسد وتُرَوَّضُ طاقاته؛ وقد قدّم المسيح نفسه مثلا أعلى فى الوداعة لنتعلم منه.

ويظن البعض أن الوديع يخسر حقوقه فى هذه الحياة، لكن الله يعد الودعاء بوراثة الأرض.

والمقصود ب "الأرض"، ليس فقط الأرض الجديدة فى ملكوت السماوات، بل أيضا الأرض التى نعيش عليها، إذ أن الوديع يحبه الجميع وتزداد بركات الله له، المادية بالإضافة إلى الروحية، فلا يحتاج لأى شىء مادى.

وترمز الأرض أيضا للجسد، الذى يخضع للروح، فيصير هيكلا للروح القدس.

وكذلك ترمز الأرض للأشرار، الذين يتحولون عن طبعهم الشرير بمخالطة الودعاء، وبهذا يكسبونهم للمسيح.

ع6: "البر": هو الصلاح والأعمال الحسنة، وكل حياة فى الله. وكمال البر هو المسيح، فالجوع والعطش إليه هو الشعور بالاحتياج المستمر للامتلاء به. وكما كان بنو إسرائيل فى البرّية، يشبع الله جوعهم بالمن من السماء ويروى عطشهم بالماء من الصخرة، مانحا إياهم الحياة فى البرّية القاحلة، كذلك المسيح هو حياتنا التى لا نستطيع أن نعيشها بدونه. ومن يطلب المسيح، لابد أن يشبع ويمتلئ بفرح.

وهذا الجوع والعطش، يدفع الإنسان للنمو فى الحياة الروحية بالطموح والاقتراب المتزايد من الله، وانتهاز كل فرصة لمعرفته بالصلاة والقراءة والتأمل، وفوق الكل التمتع بالأسرار المقدسة.

ع7: الرحمة: هى الإحساس بالآخر، ووضع نفسك مكانه، فتعطيه، ليس فقط الاحتياجات المادية أو العاطفية، بل المشاركة، فتأكل وتتحرك وتفكر معه، كما فعل المسيح إذ تجسد، وشاركنا طبيعتنا كلها ما خلا الخطية وحدها. وتذكّر أن المسيح هو من تصنع معه الرحمة، لأنه دعا المحتاجين "إخوته"، وما نفعله معهم كأننا فعلناه معه. ومكافأة الرحمة أننا ننال مراحم الله فى حياتنا وخاصة فى الضيقة، ثم فى النعيم الأبدى (راجع ص 10: 42، ص 25: 34-46).

ع8: "القلب": يمثل داخل الإنسان وأعماقه ومشاعره ونياته، ونقاوته معناها تجرده من كل شهوة شريرة، وكل انشغال عالمى عن محبة الله، إذ يصير القلب مهيّأً لسكنى الله بالنقاوة، ويستطيع أن يعاين الله ويشعر أنه بداخله ومعه فى كل شىء، ليس بالرؤية أو السماع الحسى، بل بالإحساس الروحى، لأنه أعمق من الأمور الحسية، ومشبع للنفس جدا؛ وكل الصفات السابقة تجتمع معا لتؤهل النفس للنقاوة التى بها نعاين الله.

ع9: "السلام": هو استقرار القلب وراحته وفرحه. وصنع السلام يكون مع النفس فأحيا فى سلام، وهذا يستلزم التنازل عن كل ما يقلق من شهوات ردية وأطماع أرضية، بل والاستعداد للتنازل عن جميع الحقوق والاحتفاظ بالحق الأهم، وهو السلام الداخلى.

وإذا اكتسبنا سلامنا، نستطيع أن نصنع سلاما مع الآخرين بالحب والصلوات لأجلهم، ومساعدتهم على الخروج من متاعبهم، حتى وإن احتملناهم كثيرا لأنهم مساكين فاقدين سلامهم.

والسلام هو الخضوع لله، إله السماء، الذى يمنحه كهبة للذين يحبونه. وقد صنع سلاما بين الأرض والسماء، ومصالحة بينهما، بدمه على الصليب. فإن سعينا فى طلب السلام، نكون بالحقيقة أبناء له.

ع10-12: التطويب الثامن والأخير، ينتج من كل الصفات السبعة السابقة، وهو احتمال الاضطهادات من أجل الحياة النقية والأمانة، ومن أجل طاعة المسيح ووصاياه.

ويعدنا الرب، مقابل الآلام المحدودة فى هذه الحياة، بأمجاد ملكوت السماوات التى لا تنتهى.

"البر": أى الصلاح وأعمال الخير والحياة مع الله، وهذا شرط للمكافأة السماوية، لأنه لو أساء الناس إلينا ليس لبرنا، بل لأخطاء صنعناها، فهذا جزاؤنا الطبيعى.

"عيَّروكم": أى استهزأوا بكم وبمسيحكم وبكل معتقداتكم وسلوككم المستقيم.

"كل كلمة شريرة": وهى اتهامات باطلة يدعيها الأشرار عليكم، كما فعلوا أيام الاضطهاد الرومانى، وفى كل جيل.

"افرحوا وتهللوا": لأنكم شاركتم المسيح فى آلامه، وللأمجاد السماوية التى تنتظركم عوض كل ما احتملتموه.

"عظيم": ليُظهر مقدار البركات السماوية التى لا يُعَبَّرُ عنها.

ويدعونا للثقة فى سلوكنا البار، مهما كانت تشكيكات وادعاءات الأشرار التى نحتملها، عالمين أنها طريقنا لننال أجرنا السمائى، خاصة وأن كل الأنبياء والقديسين احتملوا لأجل الله، فالاحتمال شرط أساسى لنوال الملكوت.

ونصوص هذه التطويبات هى صفات الإنسان المسيحى، التى لا يُستغنَى عن أحدها لنوال المكافآت الثمانية.

وأمامنا مثلنا الأعلى، المسيح، لنجد التطبيق العملى لكل هذه الصفات فيه.

          إن كنت تبغى السعادة، وتشتاق أن تصل إلى الملكوت، فلابد أن تقتنى الفضيلة، وتتعب لتقتنيها، فتفرح بسكنى المسيح فيك.

          افحص حياتك، لتعرف الخطية المتكررة التى تعانى منها، واسْعَ لاقتناء الفضيلة المقابلة لخطيتك. فإن كنت تعانى من الكبرياء، تعلم الاتضاع. وإن كنت محاربا بالنجاسة، فأنت محتاج للطهارة... وإرشادات أب اعترافك تفيدك كثيرا فى هذا الأمر.

ع13: شبه المسيح أولاده بالملح الذى يملح الأرض، أى البشر الأرضيين المرتبطين بالعالم. ويتميز الملح بذوبانه فى الطعام، فيعطى مذاقا أفضل، دون أن يلغى طعمه الأصلى، مثل المسيحى الذى يؤثر فى الآخرين فيصيروا فى حياة أفضل، ولا يفقدوا شخصياتهم الخاصة.

والملح رخيص ومنتشر فى العالم كله بسهولة، مثل المسيحى المتضع الذى تنتشر خدمته لكل إنسان. والملح أبيض اللون، فيرمز للنقاوة والطهارة. ويستخدم أيضا فى حفظ الأطعمة من الفساد، كما أن المسيحى يحفظ نفسه ومَن حوله ويثبتهم فى الحياة مع الله.

المشكلة الحقيقية، هى أن يفسد الملح الذى نعتمد عليه فى إصلاح الجميع. ومتى يفسد الملح؟

(1)      إذا اختلط بمواد غريبة، فيضعف تأثيره، مثل اختلاط المسيحى بالأشرار وتأثره بهم.

(2)      دخول رطوبة عليه فتضعف ملوحته، وهذا يرمز للتنعم والتلذذ براحة الجسد، وشهوات الحياة الفاسدة.

(3)      إذا اختلط بالماء ومر فيه تيار كهربائى، يتحول إلى مواد ضارة مثل الصودا الكاوية، وهذا يرمز لخضوع المسيحى لقوى العالم الشريرة، مثل التعلق بمحبة المال والشهوات المختلفة، فتملأ قلبه وتغيّره عن طبعه، ويصبح ضارا ومفسدا للمحيطين به الذين يرونه قدوة، فيصبح مُعثرا لهم.

حينئذ تظهر مشكلة، ألا وهى: بماذا نُملّح أو نصلح الآخرين؟ ومن ناحية أخرى: ماذا نصنع بهذا الملح الفاسد؟ إنه فقد عمله وهدف وجوده فى الحياة، فلا ينتظره إلا أن يُلقَى خارج الملكوت، ويعانى آلام الدوس، أى العذاب الآبدى، والسحق الذى لا ينتهى.

ع14: يشبّه المسيحى بالنور الذى وظيفته أن ينير للآخرين، وهو يتميز بما يلى:

(1)      يرشد الآخرين فى طريق حياتهم.

(2)      يكشف لهم الشر وكل ما يضرهم ليبتعدوا عنه.

(3)      يساعدهم على عمل الخير، فالعمل يكون فى النور وليس فى الظلمة.

(4)      النور قوى، لا يخاف الظلام، أى الشر، بل إن الظلمة تهرب منه.

فلابد أن يكون المسيحى فى سمو حياة روحية كمدينة مبنية على جبل، لا يمكن إخفاء نورها، مثل القمر الذى يضىء العالم بنوره العاكس لضوء الشمس التى هى الله، فهو يطالبنا أن ننير العالم كله بحياتتنا الصالحة.

ع15: يشبّه أيضا حياة المسيحى بسراج (مصباح أو قنديل) فى بيت، الهدف منه إنارة هذا البيت، ويوضع على منارة أو مكان مرتفع ليصل نوره إلى كل أرجاء البيت؛ ومن غير المنطقى أن يوضع فوق السراج مكيال ليخفى ضوءه.

"المكيال": هو وعاء ذو فوهة ضيقة وقاعدة أكبر، يستخدم لتعيين حجم الحبوب عند بيعها، فإذا وُضع فوق السراج يخفى ضوءه تماما. وهو يرمز للماديات والقياسات العقلية، وهموم العالم التى تمنع انطلاق النور ’’نور عمل الروح القدس فينا‘‘ ليضىء للآخرين.

ع16: يطالبنا بالقدوة للآخرين فى الأعمال الصالحة، فيروا المسيح فينا، وعمل روحه القدّوس، فيمجدوا الله وينجذبوا للحياة معه، ولا يكون غرضنا من الأعمال الصالحة الكبرياء ومديح الناس ومجد أنفسنا، بل نسلك بالبر من أجل الله كقدوة للآخرين، فنجذب القلوب لمحبة الله.

          إن لك دور أساسى فى العالم، وهو إظهار المسيح فى كلامك وتصرفاتك فى كل مكان تذهب إليه أو توجد فيه. فاسأل نفسك فى نهاية كل يوم، هل أظهرت المسيح فى بيتك وعملك وكل مكان ذهبت إليه؟ حتى تتوب عن خطاياك وتدقق فى سلوكك، فتربح نفسك ومن حولك.