Search

تفسير إنجيل اليوم

ع1-3: "بعد هذا": أى بعد ما حدث فى أورشليم، اتجه الرب إلى الجليل، وعبربحيرته من الغرب إلى الشرق.

"طبرية": مدينة على بحر الجليل، أنشأها هيرودس على اسم إمبراطور الرومان "طيباريوس" سنة 26 ميلادية.

وتبعت الجموع الرب يسوع بسبب كثرة معجزات الشفاء، فصعد إلى تل مرتفع مع الاثنى عشر، وأخذت الجموع فى التزايد حوله.

ع4: لا يمكن إغفال هذه الإشارة العرضية التى ذكرها القديس يوحنا بقرب حلول الفصح، فالحديث فى هذا الأصحاح، سيتناول الحديث عن الإشباع الجسدى للجموع من جهة، والإشباع الروحى الخلاصى للعالم كله من خلال خبز الحياة جسد المسيح من جهة أخرى. فقد أشار القديس يوحنا للفصح عمدا، لتهيئة الذهن لربط جسد المسيح المقدم للعالم بالفصح الخلاصى، "لأن فصحنا أيضا المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7).

ع5-7: يمثل فيلبس الشخصية العقلانية، فالمسيح هو الذى ذهب إليه ليدعوه، ولم يتبعه هو من نفسه (ص 1: 43)، وهو الذى قاطع المسيح فى حديثه "أرنا الآب وكفانا" (ص 14: 8). ولهذا، وجّه المسيح الحديث إليه بالذات؛ ليمتحن إيمانه من جهة، وليجعله شاهدا بأن الإيمان يفوق العقل والإمكانيات المادية والعقلية. ولأن فيلبس يمثل العقل المحدود فى حلوله، لم يقدم حلا لسؤال الرب يسوع عن مكان شراء الخبز، بل أضاف تعقيدا آخر وهو بكم؟!... أى حتى لو توفر المكان، فأين النقود؟

          إن العقل، فى أحيان كثيرة، يكون عائقا يحد عمل الله فى حياتنا بحساباته القاصرة... فلا تدع عقلك يوما عائقا لحياة الإيمان، بل اجعله متقبلا، شاكرا لأعمال الله فى حياتك، متذكرا لها ومتأملا فيها.

ع8-9: "غلام... شعير": يلفت القديس يوحنا نظرنا إلى شئ هام، وهو الله العامل بالقليل، فجاء حل المشكلة عن طريق غلام صغير، وليس أحد المسئولين الأغنياء. وكذلك الشعير، فهو خبز العامة الفقراء، وليس كالقمح غذاء الأغنياء.

          إذن، علينا ألا نستهين باقل الأمور، ولا نفتخر بأعظمها، بل نفتخر بالرب الذى، بأقل القليل، يفعل أكثر الكثير. فيا ليت يكون لنا هذا الإيمان، الفعّال والعامل، فى تقديم إمكانياتنا الضعيفة لله، فيصنع بها الكثير.

ع10-11: "اجعلوا الرجال يتكئون": عملية تنظيمية، نظمها التلاميذ. ولهذا، سهل حصر عدد الرجال، وكذلك سهل التوزيع؛ فالنظام من الفضائل المسيحية السلوكية التى ينبهنا لها الله "وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب" (1كو 14: 40).

إلا أن العدد الإجمالى كان أكثر من هذا، كما أشار القديس متى: "ما عدا النساء والأولاد" (مت 14: 21).

نلاحظ أن عبارة "قدر ما شاءوا" تشير إلى كمال العمل الإلهى فى الإشباع حتى الفيض. وهكذا عمل الله دائما تجاه كل خليقة، وخاصة أبنائه المتكلين عليه، فإن "بركة الرب هى تغنى ولا يزيد معها تعبا" (أم 10: 22).

ع12-13: جمع الكسر... لكى لا يضيع شئ:

أولا، المعنى المباشر: أراد الرب أن يجعل من هذه المعجزة تذكارا لا ينساه التلاميذ، فكان عدد القفف بعددهم، فحمل كل واحد منهم واحدة كشهادة لا ينساها، لأنه شارك فيها.

          وأراد الرب أيضا أن يعلمنا أن نرشّد استهلاكنا فى الطعام، فنحتفظ بما تبقى لنعود ونأكله، فلا نقع فى خطية الإسراف، أو الاستهتار بنعم الله التى أعطاها لنا.

ثانيا: أما المعنى الرمزى فى جمع الكسر، فهو أن هذا الخبز إشارة لجسده. فأولا قد شكر، وبارك، ووزع؛ وهى نفس الخطوات التى صنعها عندما أسس سر الأفخارستيا (الشكر). ولهذا، لم يكن من المقبول أن تُترك كسر الخبز لتدوسها الأقدام. بل طلب من التلاميذ – الذين يمثلون كهنوت العهد الجديد – جمع بقايا ما يرمز لجسده الذى باركه ووزعه.

          لاحظ أيها الحبيب أنه فى طقس القداس القبطى، لا يستبقى شئ من جسد المسيح، بل يقوم الكاهن بما فعله التلاميذ فى جمع كل بقايا جسد الرب، وعدم ترك شئ منه...

ليتنا نتعلم من المسيح أن نصلى قبل أن نأكل طعامنا، ونشكره، ونبارك برشم علامة الصليب، ثم نوزع الطعام على الحاضرين. وبعد ما نفرغ من الأكل، نجمع المتبقى لنأكله، أو نعطيه للمحتاجين، فهذا يشعرنا بنعمة الله التى يهبها لنا ولا يجدها الكثيرون.

ع14-15: أما رد فعل المعجزة على النفوس فقد كان قاصرا، إذ اعتبروا المسيح هو النبى الذى تحدث موسى عنه فى (تث 18: 15-18)، وانصرف ذهنهم إلى تنصيب المسيح ملكا أرضيا عليهم، وهو ما لم يقبله الرب منهم، فانصرف وحده، رافضا مجد العالم الذى لم يأت من أجله.

          إلهى الحبيب... اجعل من جسدك شبعى الحقيقى، واجعل من ضعفى وإمكانياتى المحدودة قوة، فأنا أقل من رغيف الشعير، ولكن فى يدك أنت، أشتاق أن أكون مصدر إشباع للآخرين، أحدثهم عنك، وأدعوهم إليك فيأتون كنيستك، ويكون لهم الشبع الحقيقى عوضا عن زيف وفراغ العالم.