Search

تفسير إنجيل اليوم

ع1-2: الفريسيون: جماعة من اليهود حافظوا على صورة التقوى، وتمسكوا بتنفيذ الوصايا وتقاليد الشيوخ بتدقيق. ومعنى لقبهم "المفرزون"، وتميزوا بالتباهى، وهم من أشد المقاومين للمسيح أثناء خدمته. وكان منهم نيقوديموس، الذى كانت له مكانة اجتماعية ودينية - رئيس لليهود - أى أنه عضو فى المجلس الأعلى لليهود، والذى يضم عظمائهم. ذهب ليلا للمسيح، وذلك لأمرين:

أولا: أن يتحرى بنفسه عن شخص المسيح، ولا يعتمد على ما سمعه.

ثانيا: ألا ينكشف أمره، فاختار الظلام لهذه الزيارة، فلابد أنه كان يخشى معرفة باقى الفريسيين بهذه الزيارة.

          ولعلنا نتعلم من نيقوديموس أن نذهب بأنفسنا للرب المسيح، ونتحدث معه، وتكون لنا عِشرة مع الكتاب المقدس والأسرار، بدلا من أن نكتفى بالسماع عنه من الآخرين فقط.

بدأ نيقوديموس حديثه مقدما احتراما لشخص المسيح، داعيا إياه معلما، وهو لفظ له دلالة خاصة عند اليهود. ولا يُطلَق على أى أحد. كذلك قدّم إيمانا، وإن كان إيمانه يحتاج لتأكيد. وهذا سبب الزيارة، كما سبق وأشرنا.

ع3: أجاب يسوع دون أن يسأل نيقوديموس، ومن إجابة المسيح، نفهم أن السؤال كان يتعلق بالخلاص وشرط دخول الملكوت. كذلك فى إجابة المسيح دون أن يُسأل، إعلان لنيقوديموس عن معرفة السيد لما بداخله، وهو إثبات للاهوته أيضا.

ع3-7: بدأ المسيح إجابته بتعبير استخدمه كثيرا، وهو: "الحق الحق أقول لك (لكم)"، وهذا التعبير يشير إلى صدق المتكلم وسلطانه وأهمية الموضوع.

أما خلاصة كلام المسيح، وتعليمه أن الخلاص ليس قاصرا على اليهود (ع16)، بل هو متاح للكل، ولكن شروطه:

(1)      الميلاد من فوق: وهذا معناه ميلاد البنوة لله بالروح القدس، الذى يجعلنا أبناء للسماء، ونتغرب عن الشهوات الأرضية الشريرة.

(2)      الميلاد من الماء والروح: وهو نفس الميلاد السماوى السابق، ولكن من خلال صورته المنظورة فى سر المعمودية المقدس. ولهذا، نرى حرص كنيستنا فى التعليم بأنه لا خلاص بدون الميلاد الروحى من مياه المعمودية المقدسة، وأن شرط الإيمان وحده لا يكفى.

ع4: نجد موقفا تكرر كثيرا، وأبرزه القديس يوحنا، وهو قصور العقل الإنسانى عن فهم القصد الإلهى. فنيقوديموس لم يفهم معنى الميلاد الثانى، ولم يتصور سوى الدخول مرة ثانية إلى بطن الأم. وقد حدث هذا أيضا، عندما تكلم السيد عن نقض الهيكل "جسده" (ص 2: 19)، وسيأتى أيضا فى حواره مع المرأة السامرية (ص 4: 7-14). ولكن مع هذا، لا يترك الله الإنسان إلا بشرح قصده له.

ع7: هناك فرق كبير بين من ينتسب للسماء بميلاده الجديد، ومن ينتسب للجسد.

          فإن كنا قد أخذنا الطبيعة الجديدة الروحانية مجانا فى سر المعمودية، فهل نسلك كروحانيين، أم أن شهوات الجسد وميوله هى التى تقودنا؟

أيها الحبيب، لقد أعطاك الروح القدس ما لا يستطيع الآخرون فهمه، فهل تُقدّر هذه العطية وهذه المسئولية؟ إنها دعوة لأن تفكر وتسأل: فى أمورى وعلاقاتى، هل أسلك كإنسان سماوى، أم يحكمنى، كالآخرين، قانون العالم ومادياته؟

يلاحظ أيضا أن كلمة "ينبغى"، أعطت تأكيدا وإلزاما لكل المسيحيين بضرورة الولادة من فوق (المعمودية).

ع8: "الريح": الكلام هنا عن الروح القدس وعمله السرى، فأنت لا تراه ماديا، ولكنك تدرك فعله وآثاره. فإذا رأينا شجرة تهتز بكل أوراقها وتنحنى، ندرك تعرضها للريح وتأثرها بها، دون أن نعلم مصدر الريح ولا إلى أين تذهب... هكذا الروح القدس، ندركه بآثاره على كل من أخذه وقبله فى مسحة الميرون، أو وضع الأيدى الرسولية (أع 19: 6). وبالتالى، هكذا كل من وُلد من الروح، أخذ منه القوة والحب والحكمة والصبر والاتضاع والبصيرة الروحية.

وتعطينا المعمودية أساسيات ثلاثة: الملكية لله وليس للشيطان، وأن نكون أقوى من الشيطان، وأن نصير ميالين للخير لا للشر.

ع9-10: لم يزل الحوار مستمرا بين تعجب نيقوديموس، وبين عتاب المسيح الرقيق له؛ فكيف أنت يا معلم الناموس ومفسره، لا تدرك المعانى الروحية والقصد الإلهى؟ والمعنى المراد هنا أن المعرفة النظرية والحرفية، ليست هى قصد الله وفكره.

          وهكذا حال الكثيرين منا الآن، فنقرأ الكتاب المقدس، وقد نُعلّم به أيضا، ونحن لا ندرك الأبعاد الروحية لكلمة الله، والتى لا تُدرك إلا باتضاع الإنسان أمام إرشاد الروح القدس، وخضوعه له تحت إرشاد الكنيسة.

ع11: يزيد السيد المسيح إلى كلامه لنيقوديموس، الذى لم يزل عاجزا عن الفهم، تأكيدا بأن كلامه وشهادته صادقين، وقد استخدم السيد المسيح صفة الجمع – الغير معتادة عند اليهود – عن نفسه، بقوله: "إننا... نتكلم... نعلم...نشهد... شهادتنا"، وهى إشارة واضحة لوحدانيته فى الثالوث الأقدس، هذا الثالوث وحده هو الذى يعلَم ويعلّم ويشهد لنفسه، وعدم قبول شهادته وتعليمه، هى جهالة العالم المادى الذى يرفض الله ذاته.

ع12: المعنى المباشر هنا هو: إن لم تقبلوا الأمور البسيطة، فكيف تدركون الحقائق الإيمانية الأكثر صعوبة؟

"الأرضيات": معناها هنا، هو الأمور الأرضية الروحية اللازمة للحياة على الأرض، مثل الميلاد الثانى الروحى – المعمودية - ومعناها أيضا أن المسيح استخدم تشبيها أرضيا لشرح المعنى الروحى، عندما ربط بين الريح الأرضية وعمل الروح القدس فى حياة المؤمن.

"إن قلت لكم السماويات": معناها أن هناك جزء أصعب على العقل، ولكنه من صميم الإيمان، ولابد من إعلانه والإيمان به، كعلاقته بالآب "أنا والآب واحد" (ص 10: 30)، وعن الفداء بموته، والقيامة من الأموات، والصعود والجلوس عن يمين الآب، وكلها أمور فوق مستوى الأرضيات أو المحسوسات المادية.

ع13-15: عندما اقترب حديث السيد المسيح مع نيقوديموس من النهاية، بدأ السيد فى إعلان ثلاث حقائق متتالية للاهوته:

الأولى: أنه هو الإله المتجسد، النازل من السماء والصاعد إلى السماء والكائن فى السماء فى نفس الوقت. وهذا معناه أنه فى زمن تجسد المسيح على الأرض، لم يترك السماء - بلاهوته غير المحدود - لحظة واحدة، فهو فى حالة تجسد وصعود دائمة كما يفيد تصريف كلمة "صعد" فى اللغة اليونانية، فهى ليست فى زمن الماضى كما تفيد اللغة العربية، ولكنها فى زمن المضارع التام كما فى اللغة الإنجليزية.

الثانية: وهى حتمية رفع ابن الإنسان على خشبة الصليب من أجل الفداء. وقد أشار السيد المسيح إلى ما صنعه موسى من رفع الحية النحاسية بحسب أمر الله (راجع عد 21: 8-9)، لإنقاذ كل من ينظر إليها من لدغ موت حيات البرية، لم يكن سوى رمزا للمسيح المعلق على خشية الصليب، والذى، بموته، إنقاذ من الموت لكل من يؤمن به.

الثالثة: ارتباط الخلاص المجانى المقدم على الصليب بالإيمان، فالمسيح بفدائه فتح أبواب الحياة الأبدية لجميع الناس، ولكن بشرط الإيمان به.

          فالخلاص صار هبة مجانية لا تتوقف على استحقاقى، بل على نعمة محبة الله لى، فقدم لِىَ الصليب والفداء كإنقاذ، والمعمودية كمدخل له، وأعطانى الحياة لأحيا وأتنعم بالوجود هنا معه، حتى أشهد له، وأجاهد من أجل هذا الخلاص الممنوح لى، لئلا أضيّعه... أعطنى يا رب أن أتمم هذا الخلاص بخوف ورعدة (فى 2: 12).

ع16-18: هذان العددان فى معناهما، تكرار لما سبقهما فى أن الإيمان بالمسيح هو الشرط الأساسى للخلاص، ولكنهما يضيفان بعدا روحيا جميلا، وهو أن تدبير الخلاص ليس له سبب سوى محبة الله غير الموصوفة والمحدودة للإنسان... محبة فوق استيعاب العقل... أن يبذل الآب ابنه الوحيد للموت من أجل خلاص وحياة العالم. وهذا التجسد والفداء لم يكن غرضه الدينونة أو استيفاء العدل الإلهى... فما كان أسهل أن يدين الله خليقته بكلمة واحدة، إنما الأصعب هو البذل والموت من أجل تبرير الخطاة فى دم المسيح... ولكن من رفض هذا الفداء وهذا الحب المقدم من الآب فى بذل ابنه الوحيد، استحق الدينونة.

          أيها الحبيب... إن ما يميز القديسين عنا هو إدراكهم العملى لهذا الحب غير الموصوف، فحب الله فوق مستوى العواطف البشرية المتقلبة، فهو ثابت وأبدى (إر 31: 3)، وكذا شبع للنفس والروح. ولما أدرك القديسون هذا النوع من الحب، تركوا كل شيئ من أجله، وهم الرابحون... فهل ندرك مثلهم هذا الحب العجيب؟ وهل يعبّر سلوكنا عن هذا الحب؟ نحن لا نحتاج أن نعرف أن الله أحبنا، بل أن ندخل معه فى شركة الحب اللانهائى...

سؤال نطرحه أيها الحبيب لنا جميعا: ماذا تركنا من أجل حب المسيح كما ترك هؤلاء؟!

ع19-21: إن هذا الحب وهذا النور لم يقبله الكثيرون، مستوجبى الدينونة. ويقدم لنا القديس يوحنا سبب رفضهم لهذا النور، وهو أنهم أشرار، وكل من يفعل الشر والخطية يكره بالتالى النور الذى يكشف هذه الأفعال الشريرة ويوبخها.

إن سر ابتعاد الكثيرين هذه الأيام عن الله والكنيسة هو أنهم يعلمون أين الحق وأين المسيح، لكنهم يتجاهلونه بسبب حبهم للحطية... وذلك بعكس الإنسان الروحى الذى يجاهد فى الوصية الإلهية بالحب، فلا مكان له سوى المسيح، ويستمد القوة من الكنيسة، وتشهد أعماله بعمل الله فى حياته.