Search

تفسير إنجيل اليوم

ع1-2: يظهر من كلام القديس لوقا، أن كثيرين فى زمانه كتبوا عن حياة المسيح بالإضافة للإنجيليين، فإذ آمن لوقا بالمسيح بعد أن كان أمميا، وإلتصق بالرسل الذين عاينوا حياة الرب يسوع وصاروا خداما للكلمة، شعر بمسئولية أن يكتب هو أيضا عن حياته لأنه تتبعها بالتدقيق، وساعده على ذلك عمله كطبيب تعود الفحص والتدقيق.

ومعنى هذا أن لوقا جمع معلوماته من مصدرين هما:

(1)   العذراء والتلاميذ الذين عاينوا المسيح.

(2)   كتابات الكثيرين الذين سبقوه ولكن كتاباتهم قد تكون ناقصة.

يتبين هنا أهمية التقليد الكنسى، أى التسليم الرسولى الشفاهى للإيمان من الآباء الرسل إلى تلاميذهم حتى وصل إلينا الأن، وهذا يشمل نص الكتاب المقدس، وكل إيمان وطقوس الكنيسة، فالتقليد هو الذى حفظ الكنيسة من أيام الرسل حتى الآن.

ليتك تتعود التدقيق فى فهم الكتاب المقدس وكل إيمان وطقوس الكنيسة، بل تفحص حياتك أيضا بالتدقيق فى توبة لتنمو نموا روحيا قويا.

ع3-4: إذا اهتم لوقا بمعرفة تفاصيل حياة المسيح، كتب حياة المسيح بالترتيب إلى ثاوفيلس الذين آمن وتعلم الكثير ليثبِّت إيمانه بالمسيح. وهو يونانى صار مسيحيا وكان يعيش فى الإسكندرية، له مركز سياسى كبير، إذ يلقبه بالعزيز أى صاحب الفخامة، ومعنى اسمه محب الله.

   فإن كنت يا أخى محبا لله، فهذا الإنجيل موجه لك كما يقول القديس أمبروسيوس.

ع5-6: هذا الإصحاح له أهمية خاصة، لأنه التمهيد لميلاد المسيح، ولذا تقرأه الكنيسة فى آحاد شهر كيهك الأربعة قبل عيد الميلاد، فيحدثنا.

الأحد الأول: عن البشارة بميلاد يوحنا.

الأحد الثانى: البشارة بميلاد المسيح.

الأحد الثالث: زيارة العذراء لأليصابات.

الأحد الرابع: ميلاد يوحنا المعمدان.

هيرودس: الملك المذكور، هو هيرودس الكبير، وهو من نسل عيسو ويكره اليهود، حكم من عام 37 ق.م حتى حوالى عام 4ق.م. وتميز حكمه بالقسوة وقتل أطفال بيت لحم قبل نهاية حياته (ميلاد المسيح كان 4ق.م وتم قتل الأطفال عندما كان عمره عدة شهور)، وكان يحكم كل بلاد اليهود.

زكريا: معناه "الله يذكر" وقد كان كاهنا.

أليصابات: أى قَسَم الله، وكانت أيضا من نسل هارون الكاهن الأعظم.

وكانا يتميزان بالبر فى إتمام وصايا الله وكذلك أحكامه التى هى فرائض الناموس، كل هذا هو السلوك الروحى السليم الظاهر أمام الناس، بالإضافة إلى ذلك كان قلباهما نقيين امام الله، ولأجل برهما، اختار الله أن يحدثهما بعد انقطاع كلامه مع شعبه أكثر من ثلاثة قرون، حتى يلدا يوحنا الذى معناه "الله حنان".

"هكذا تظهر محبة الله لكل من يتقيه، فإن تمسكت بوصايا الله وجهادك الروحى، سترى حنانه ونعمه الكثيرة.

فرقة أبيا: كان فى زمان زكريا حوالى 20 ألف كاهن فى اليهودية، يقسموا على 24 فرقة كل منها حوالى الألف، وتقوم بخدمة الهيكل أسبوعا مرتين فى السنة.

ع7: رغم بر زكريا وأليصابات، لكنهما واجها مشكلة صعبة وهى عدم الإنجاب، لأن العقر كان يعتبر عار فى العهد القديم لعدم استحقاق ميلاد المسيا المنتظر. وقد شاخا فلم يعد هناك أمل فى الإنجاب، ولكن حكمة الله من الضيقة تظهر بعد ذلك، لأن تأخير الإنجاب كان ليعطيهما الله يوحنا المعمدان... أعظم مواليد النساء، وهو الذى يعد طريق المسيح، وينبغى ولادته قبل المسيح بستة أشهر.

ع8-10: جاء أسبوع الخدمة الخاص بفرقة أبيا، وحضر الكهنة وبينهم زكريا الشيخ وألقيت القرعة كالعادة لمعرفة من يدخل ليقدم البخور على المذبح الذهبى داخل القدس، الذى لا يُسَمح بدخوله إلا للكهنة.

وكانت القرعة لا تأتى غالبا أكثر من مرة واحدة فى العمر لكل كاهن ليدخل هذا المكان العظيم ويقدم البخور لله، لأن عدد الفرقة كما ذكرنا كان ألفا.

وكان جمهور الشعب وافقا خارج القدس منتظرين بركة زكريا الكاهن بعد أن يبخر داخل القدس.

كم هى عظيمة نعمة الله فى العهد الجديد، التى تسمح لكل الكهنة بدخول الهيكل كل يوم وتقديم البخور تحت نظر كل الشعب، بل ويخرج بالبخور ليبارك كل الحاضرين فى الكنيسة، لأن إحتراق البخور ورائحته الزكية رمز لموت المسيح على الصليب ليرفع خطايانا، ولهذا ترتفع صلواتنا شكرا وتسبيحا مع هذا البخور الصاعد إلى السماء.

ع11: أصابت القرعة زكريا، وكان هذا بتدبير إلهى.. إذ عندما دخل إلى القدس، وقدم بخورا على المذبح الذهبى الموجود فى وسط القدس، أمام حجاب قدس الأقداس، الذى فيه تابوت العهد، ثم سجد كعادة الكهنة، وقام، ظهر له ملاك نورانى بشكل مهيب عن يمين مذبح البخور.

مذبح البخور: كان هناك مذبحان أساسيان فى هيكل سليمان، الأول خارجى وكانت تقدم عليه الذبائح والتقدمات، والثانى داخلى لا يقدم عليه سوى البخور الذى كان يعتبر تقدمة أيضا وأطلق عليها "رائحة سرور للرب".

 من المذبح والهيكل تنسكب علينا النعم الإلهية والبركات السمائية، فننال أعظم شئ وهو جسد الرب ودمه ونقتنى سلاما وفرحا.. بل وتنفتح عيوننا الداخلية لننرى الله ونتمتع بعشرته مع كل السمائيين.

ع12-13: أمام عظمة هذا الظهور السمائى، خاف زكريا، فطمأنه الملاك وأعلن له اهتمام الله بصلواته منذ عشرات السنين وحتى الآن، ليس فقط بإنجاب النسل بل أيضا اشتياقه لمجئ المسيح، فهو ككاهن يصلى هكذا فى صلواته الطقسية منتظرا التجسد الإلهى، ووعده بحبل إمرأته العجوز بل أعلن إسم المولود "يوحنا" أى حنان الله.

كم هو مطمئن للنفس اهتمام الله بكل صلاة وطلبة نرفعها إليه، ولكنه يستجيب فى الوقت المناسب. فاستمر يا أخى فى صلواتك مهما تأخرت الإستجابة، واثقا من استجابتها بالشكل المناسب فى أحسن وقت يراه الله لك.

ع14: أعلن الملاك أن يوحنا ليس مولوداً عاديا يفرح قلب والديه الشيخين والأقارب والجيران فقط، بل ستمتد خدمته لتصير فرحا لكل من يؤمن ويستجيب لدعوته.

ع15: لأنه يكون عظيما: سيصير يوحنا عظيما فى عينى الرب، ويعين نذيرا لله.

خمرا ومسكرا لا يشرب: فلا يشرب العنب المخمر ولا الخمر المسكرة.

يمتلئ من الروح القدس: يتميز عن باقى البشر بامتلائه من الروح القدس وهو جنين، لذا فهو أعظم مواليد النساء كما أعلن المسيح نفسه (مت 11: 11).

ع16-17: يتحدث الملاك عن طبيعة خدمة يوحنا، وهى دعوة اليهود للتوبة والرجوع لله، وعودة المحبة والترابط داخل الأسرة بين الآباء والأبناء، ويدعو الخطاة والعصاة لوصايا الله حتى يتوبوا ويفكروا فى البر.

وهذا هو التمهيد للتجسد الإلهى، فإذ يعلن الملاك أن يوحنا يتقدم إلهه، فهذا إثبات للاهوت المسيح الذى تبدأ خدمته بعده بستة أشهر، ويعلن أيضا أن يوحنا سيكون قويا فى أسلوب خدمته مثل إيليا النبى.

ع18: لم يستطع عقل زكريا أن يصدق البشرى الإلهية، وقدم أدلته وهى أنه وإمرأته شيخان ويستحيل عليهما الإنجاب، مع أنه قد تكرر فى التاريخ قدرة الشيوخ على الإنجاب بعمل الله الإعجازى مثل إبراهيم وسارة، ولم يقف العقر حائلا كما فى اسحق ورفقة ويعقوب وراحيل، ومنوح وإمرأته والدى شمشون. ولكن يُلاحظ رقة زكريا أنه لم يتذمر على عقر إمراته، بل قال فى تأدب أنها متقدمة فى أيامها.

ع19-20: اليوم الذى يكون فيه هذا: أى ميلاد يوحنا المعمدان، فبعده بثمانية أيام تكلم زكريا، فالمقصود باليوم وقت او زمان ميلاده وليس يوم الميلاد بالتحديد.

لأجل شك زكريا فقد قدرته على الكلام، كما أعلن له رئيس الملائكة جبرائيل أى "جبروت الله"، وهو أحد رؤساء الملائكة السبع الواقفين أمام الله. وصمته هذا كان نتيجة طبيعية لعدم تصديق صوت الله. وصمت زكريا يعلن صمت العهد القديم ليبدأ العهد الجديد بالمسيح يسوع، وقد صمتت العبادة اليهودية وصارت بلا معنى بعد مجئ المسيح وانقطاع الأنبياء عنهم.

ع 21: كان الشعب ينتظر زكريا ليباركهم كعادة العبادة اليهودية، ولكن الرؤيا استغرقت وقتا طويلا، فتعجب الجمهور متسائلين عن السبب لإبطائه.

ع22: عندما خرج زكريا عاجزا عن الكلام، مكتفيا فقط بإشارة يديه، فهموا أنه قد رأى رؤيا داخل القدس كما كان يحدث مع الأنبياء قديما، ففرحوا بالإعلان الإلهى وإن كانوا مشتاقين لمعرفة هذا الإعلان الذى ظل غامضا بسبب صمت زكريا.

ع23: ظل زكريا فى الهيكل حتى انتهى أسبوع خدمته، ثم عاد إلى بيته الذى هو خارج أورشليم فى التلال المحيطة بالمدينة.

ع24-25: لما شعرت أليصابات بحبلها فرحت جدا هى وزكريا زوجها، وشكرا الله الذى باركهما، واستراحت أخيرا أليصابات من تعييرات النساء لها بالعقر وعدم استحقاقها البركة، ولكنها أخفت نفسها خمسة اشهر عن الظهور أمام الناس حتى تتأكد من الحبل المعجزى، فقد شاركت زوجها فى خطية الشك.

ولكن هذه الفترة التى صمت فيها زكريا، كانت فرصة لحديث أعمق مع الله امتزجت فيه التوبة مع الشكر، وأيضا التأمل فى أعمال الله السابقة مع شعبه ومعهما.

انتهز فرصة المرض وانعزالك أحيانا عن الناس لتراجع نفسك وتقدم توبة وشكر وتأمل فى اعمال الله معك، ويمكنك أن تشعر بهذا إذا أخذت خلوة أسبوعية.