Search

اخر الاخبار

الأنبا متاؤس أسقف دير السريان العامرومجمع آباء رهبان الدير يتقدمون بخالص التهانى القلبية

بمناسبة بداية العام الميلادى الجديد، وعيد ميلاد السيد المسيح له المجد، أرسل لكم بعميق تهنئتى القلبية، راجيا أن تحل بركات ميلاد الرب وحلوله فى وسطنا، على هذا العام ليكون عام بركة وخلاص لكل نفس..وعام سلام للعالم أجمع..

إن التجسد الإلهى قصده هو أن الله اتخذ جسدا ليقدس الطبيعة البشرية التى فسدت بالخطية، ويجعله إنسان الله حسب تعبير بولس الرسول " و اما انت يا انسان الله فاهرب من هذا و اتبع البر و التقوى و الايمان و المحبة و الصبر و الوداعة " ( 1 تى 6: 11 ).

فإنسان الله قديس ويقول بطرس الرسول : " بل نظير القدوس الذي دعاكم كونوا انتم ايضا قديسين في كل سيرة " ( 1 بط 1: 15 )

والقداسة تعنى الإفراز لله وليس لغيره. فنحن ملك السيد المسيح الذى اقتنانا له بدمه الكريم. ويقول بولس الرسول : " ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله و انكم لستم لانفسكم* 20 لانكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في اجسادكم و في ارواحكم التي هي لله " ( 1 كو 6: 19، 20 )

وكل عام وجميعكم بخير وسلام،

مواعيد التسبحة والقداسات

مواعيد التسبحة والقداسات

اقرء المزيد

بيت الخلوة

  • ·الشروط الواجب مراعاتها لقضاء خلوة روحية بالدير
  • ·أن يحمل إثبات شخصية قانونية.
  • ·2-لا يقل عمره عن 16 عاماً.
  • ·3-يحمل خطاباً من أب الإعتراف موجهاً إلى رئيس الدير أو الأب المسئول عن بيت الخلوة.
  • ·4-الإلتزام بمواعيد الصلوات والعمل والخلوات ببيت الخلوة.
  • ·5-لا تزيد فترة الخلوة عن ثلاثة أيام.
  • ·6-لا تقل فترة الخلوة عن الأخرى فى خلال شهرين.
  • ·7-عدم زيارة رئيس الدير أو الآباء الرهبان إلا بإذن من الأب مسؤل بيت الخلوة.
  • ·8-مراعاة الهدوء نظراً للإحتفاظ وإحترام قدسية المكان.

  • ·للمزيد من المعلومات يرجى الإتصال :01276006061
  • ·مواعيد الإتصال من الساعة 10ص حتى الساعة 1 ظهراً
  • ·ومن الساعة 5م حتى الساعة 7 م

جولة افتراضية

panorama

صدر حديثاً

صدر حديثا فلاشة 8 جيجا لأبونا الراهب القديس القمص فلتاؤس السريانى تحتوى على مجموعة كبيرة من الفيديوهات والصور والصوت الخاصة به وذلك بمكتبة الهدايا بالدير – بركة صلواته تشملنا جميعاً

abouna

CDS – DVD about the Monastery of the Syrians with a simplified explanation of the history of the Monastery of the Virgin Mary (the Syrians). Beheira (AL Asakeet Desert) in the Wadi Natrun area of Egypt’s Western Desert.

I: Video and photos of the history of the Monastery of the Syrians, past and present.

II: Sections of the Monastery such as the entrance, the walls, the fort and the churches including the wall frescos from the archaeological museum and the rest of the Monastery.

III: Midnight Prayers on Sunday with the Holy Fathers of the Monastery.

IIII: Video of the Gregorian Mass for the Fathers in the Monastery.

We hope that watching and listening to these CDs will bring spiritual benefit and be a blessing to all.

We also hope that you will learn more about the liturgically and historical legacy of Coptic monasteries through the intercession of Saint Mary

explain monastery 

الصفحة الرئيسية

مزمور القداس (37 : 30 ، 31)

فم الصديق يتلو الحكمة، ولسانه ينطق بالحكم، ناموس الله فى قلبه، ولا تتعرقل خطواته. هلليلويا

إنجيل قداس يوم الثلاثاء الموافق 14 طوبه

لو 16 : 1 - 12

1- و قال ايضا لتلاميذه كان انسان غني له وكيل فوشي به اليه بانه يبذر امواله.

2- فدعاه و قال له ما هذا الذي اسمع عنك اعط حساب وكالتك لانك لا تقدر ان تكون وكيلا بعد.

3- فقال الوكيل في نفسه ماذا افعل لان سيدي ياخذ مني الوكالة لست استطيع ان انقب و استحي ان استعطي.

4- قد علمت ماذا افعل حتى اذا عزلت عن الوكالة يقبلوني في بيوتهم.

5- فدعا كل واحد من مديوني سيده و قال للاول كم عليك لسيدي.

6- فقال مئة بث زيت فقال خذ صكك و اجلس عاجلا و اكتب خمسين.

7- ثم قال لاخر و انت كم عليك فقال مئة كر قمح فقال له خذ صكك و اكتب ثمانين.

8- فمدح السيد وكيل الظلم اذ بحكمة فعل لان ابناء هذا الدهر احكم من ابناء النور في جيلهم.

9- و انا اقول لكم اصنعوا لكم اصدقاء بمال الظلم حتى اذا فنيتم يقبلونكم في المظال الابدية.

10- الامين في القليل امين ايضا في الكثير و الظالم في القليل ظالم ايضا في الكثير.

11- فان لم تكونوا امناء في مال الظلم فمن ياتمنكم على الحق.

12- و ان لم تكونوا امناء في ما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم

 

تفسير إنجيل اليوم

مناسبات كنسية

برامون عيد الغطاس

 مظاهر الاحتفال بعيد الغطاس

عيد الغطاس

القيم الروحية فى عيد الغطاس

عيد الغطاس فى مصر

وفى مصر يُعد العصرين:الأخشيدى والفاطمى، من العصور الذهبية للأعياد المسيحية، إلا أن احتفالات عيدى الميلاد والغطاس فاقت فى روعتها باقى الأعياد..

لقد كان الغطاس عيداً قومياً، تحتفل به مصر احتفالاً رسمياً، شعبياً، شائقاً بلغ حده أن حاكم مصر نفسه ورجال حكومته وأُسرته ومعاونيه.. كانوا يشتركون فيه، ويأمرون بإقامة الزينة، وإيقاد النيران، وإضاءة المشاعل، وتعميم الأفراح الشعبية فى كل مكان، وتوزيع المأكولات على الأهالى، مع الصدقات على الفقراء، وكان الناس يغطسون فى النيل تبركاً بهذه المناسبة السعيدة.

ويروى المقريزى* عن عيد الغطاس فيقول: إنه يُعمل بمصر فى اليوم الحادى عشر من شهر طوبة، وأصله عند النصارى : إن يحيى بن زكريا عليه السلام ، المعروف عندهم بيوحنا المعمدان عمد المسيح، أى غسّله فى بحيرة الأردن، وعندما خرج المسيح عليه السلام من الماء، اتصل به الروح القدس، فصار النصارى لذلك يغمسون أولادهم فى الماء فى هذا اليوم وينزلون فيه بأجمعهم، ولا يكون ذلك إلا فى شدة البرد، ويسمّونه يوم الغطاس، وكان له بمصر موسم عظيم إلى الغاية.

عيد الغطاس فى العصر الأحشيدي

 
 

عاشت مصر تحت حكم الرومان، ما يقرب من سبعة قرون، ثم تولى من بعدهم الأتراك، فحكموها حوالى أربعة قرون، فلما تولى الأخشيديين* الحكم، كان لليلة الغطاس شأن عظيم، وكان الناس- مسلمون ومسيحيون- لا ينامون فى هذه الليلة وقد حضر المسعودى* سنة (330 هـ) ليلة الغطاس بمصر، والأخشيد محمد بن طفج أمير مصر فى قصره،

 
 

فى جزيرة منيل الروضة* وقد أمر بإقامة الزينة فى ليلة الغطاس أمام قصره، من جهته الشرقية المطلة على النيل، وأوقد ألف مشعل، غير ما أوقد أهل مصر من المشاعل والشموع على جانبى فرع النيل..

وقد حضر فى تلك الليلة آلاف البشر، من المسلمين والمسيحيين، ومنهم من احتفلوا فى الزوارق السابحة فى النيل، ومنهم من جعلوا حفلاتهم فى البيوت المشرفة على النيل ومنهم من أقاموا الصواويين على الشواطئ مظهرين ما لا يُحصى من المآكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجواهر.. وكانوا يقضون ليلتهم فى اللهو والعزف على آلات الطرب، والتحلى بالجواهر الثمينة   والزينة..

وبشهادة المسعودى* كانت ليلة الغطاس فى مصر أيام الفاطميين والأخشيديين، أحسن الليالى بمصر وأشملها سروراً، ولا تُغلق البوابات التى كانت مركّبة على أفواه الدروب والحارات، بل تبقى إلى الصباح، ويغطس أكثر الناس فى نهر النيل، مزعمين أن ذلك أمان لهم من الأمراض، ومناعة لأجسادهم من انتشار الداء..

عيد الغطاس فى العصر الفاطمى

بعد الأخشيديين آل حكم مصر إلى الخلفاء الفاطميين*(969-1171م ) فماذا فعلوا ؟ جعلوا مصر مستقراً لهم، وحملوا إليها أموالهم وكنوزهم الثمينة... ورفات موتاهم أحضروها معهم من عاصمة مُلكهم الأصلى، ودفنوها فى تربة الزعفران حيث خان الخليلى الآن.

وتُعد الدولة الفاطمية هى الدولة الوحيدة، التى أتت بأموالها إلى مصر، خلافاً لغيرها من الدول الفاتحة، فإنها كانت تنهب خيرات مصروكنوزها إلى بلادها*

 
 

وفى مصر بنوا القاهرة والأزهر، وما يحتفل به المسلمون من الأعياد الدينية، متمثلة فى عاشوراء وطبقه الشهير، والمولد النبوى، وما يُصاحب الاحتفال به من الحلوى الحمراء، خاصة العروسة التى ترمز إلى مصر، والحصان الذى يُجسّد الفروسية، وليلة الإسراء والمعراج وما تزدان به من اللبن والبلح، ورؤية هلال رمضان والفوانيس والعيد... هذه الاحتفالات كلها تعود إلى العصرالفاطمى*

ولم يكتفِِِ الفاطميون بما أتوا به من خيرات إلى مصر بل عطفوا على كل المصريين على اختلاف مذاهبهم، ومنهم الأقباط، فقربوهم إليهم، وجعلوا أعيادهم أعياد رسمية فى البلاد، اشترك فيها الخلفاء أنفسهم كالنيروز والميلاد والغطاس وخميس العهد..

وكانوا يُخرجون من خزائنهم العطايا، ويوزعونها على رجـال الدولة، لا فرق بين مسلم ومسيحى! فكان إذا جاء عيد الغطاسيوزعون على الموظفين: الليمون، والقصب، والسمك البورى.. وكان ذلك برسوم مقررة لكل شخص، وإذا رأينا إقبال الناس على مص القصب فى هذه الليلة، واعتباره من عادات ورموز العيد فنذكّرهم بأن هذه العادة القديمة أدخلها الفاطميين فى رسوم دولتهم.

وكانت الخيام تُنصب على الشواطئ ، ويأتى الخليفة ومعه أُسرته، من قصره بالقاهرة إلى مصر القديمة، وتوقد المشاعل فى البر والبحر، وتظهر أشعتها وقد اخترقت كبد السماء لكى تزينها بالأنوار البهية، ثم تُنصب الآسرة لرؤساء النصارى على شاطئ النيل فى خيامهم، وتوقد المشاعل، ويجلس الرئيس مع أهله، وبين يديه المغنون ثم يأتى الكهنة والرهبان وبأيديهم الصلبان، ويقيمون قداساً طويلاً ربما (قداس اللقان) .

قال المسبّحى* فى تاريخه من حوادث (998 م ): كان الغطاس فضُربت الخيام والسرادق والآسرة، فى عدة مواضع على شاطئ النيل، ونُصبت آسرة للرئيس فهد النصرانى* وأُوقدت له الشموع والمشاعل، وحضر المغنون، وجلس مع أهله يشرب إلى أن كان وقت الغطاس، فغطس وانصرف.

وقال فى حوادث سنة (1025م) : وفى ليلة الأربعاء 4 ذى القعدة سنة (415هـ)، كان غطاس النصارى، فجرى الرسم من الناس شراء الفواكه والضأن وغيره... ونزل أمير المؤمنين الظاهر لاعزاز* إلى قصر جده العزيز بالله فى مصر، لنظر الغطاس ومعه الحرم ونودى أن لا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم البحر وضُربت خيمة عند الجسر وجلس فيها، وأمر أميرالمؤمنين بأن توقد النار والمشاعل فى الليل، وكانت أنواراً كثيرة، وحضر الرهبان والقسوس بالصلبان والنيران، فصلوا على مياه نهر النيل وباركوها، ثم نادى المنادى فغطس الناس وتفرقوا، وكان عيداً عظيماً.

وذكر بن إياس*: إن نهر النيل كان يمتلئ بالمراكب والزوارق، ويجتمع فيها السواد الأعظم .. من المسلمين والنصارى، فإذا دخل الليل تُزين المراكب بالقناديل، وتُشعل فيها الشموع، وكذلك على جانب الشواطئ يُشعل أكثر من ألفى مشعل وألف فانوس، وينزل رؤساء القبط فى المراكب، ولا يُغلق فى تلك الليلة دكان ولا درب ولا سوق، ويغطسون بعد العشاء فى بحر النيل، النصارى مع المسلمين سوياً، ويزعمون أن من يغطس فى تلك الليلة يأمن من الضعف فى تلك السنة.

وهكذا استمرت الاحتفالات بعيد الغطاس أجيالاً، وقد سُجلت فى كتب التاريخ، بأيدى مؤرخين ثقاة مسلمين وأقباط، كمظهر من المظاهر القومية فى مصر، ولكن مع مزيد من الأسف، لقد أثرت روح العصر التى يغلب عليها التمدين، على تقاليدنا وها هى تسعى لتمحوها!!

 


* هو أحمد عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزى، عاش فى الفترة (1346-1442م) وله كتاب اسماه " الخطط المقريزية " أفرد فيه فصلاًعن أعياد النصارى بديار مصر.

* الأخشيديون هم من أصل إيرانى، حكموا مصر فى الفترة مابين (935- 969م)، أما اسمهم فيرجع إلى الأمير محمد بن طفج الأخشيد مؤسس الأسرة الأخشيدية الذى تولى إمارة مصر سنة (323هـ ).

* هو الإمام المسعودى، المتوفى سنة 346هـ ، ألف كتاب أسماه مروج الذهب، لنفاسة ما حواه من أنواع العلوم وأخبار الأمم.

* سُميت بأسماء كثيرة ألا وهى: الجزيرة، جزيرة مصر، جزيرة الحصن، الروضة، وموقعها بين مصر والجيزة.

* مروج الذهب ومعادن الجوهر فى التاريخ، طُبعبالمطبعة البهية المصرية سنة 1346هـ ، ج1، ص212.

* الفاطميون هم سلالة تنتسب إلى فاطمة إبنة محمد نبى الإسلام، أنشأوا دولة فى تونس فى الفترة ما بين (909-1171م)، ثم أخضعوا الشمال الإفريقى ثم مصر..

* كتب المؤرخ مصطفى بك منير أدهم مقالين نُشراقديماً فى بعض الجرائد اليومية، وفيهما لمحة تاريخية عظيمة عن عيدى الميلاد والغطاس فى عهد الدولتين: الأخشيدية والفاطمية، ونقلتهما مجلة الكرمة فى عددها الصادر يناير1929م، السنة (15).  

*د/ رأفت عبد الحميد، الفكر المصرى فى العصر المسيحى ص8.

* هو الأمير عز الملك .. المسبّحى (976 - 1029م)، ولد فى فسطاط وكان كاتباً عند الحاكم بأمر الله، وألف كتاباً أسماه: أخبار مصر وفضائلها وعجائبها وطرائفها وغرائبها.. ولم ينشر.

* كان كاتباً عند الحاكم بأمر الله، وقد قدّمه على جميع الكتّاب وأصحاب الدواويين، ولكنه بعد سنوات قليلة، طلب منه الحاكم أنيُشهر إسـلامه! فلما رفض أمر بقتله فنال إكليل الشـهادة.

* هو ابن الحاكم بأمر الله، حكم مصر من (1021-1036م) وقد أذن للنصارى الذين أسلموا فى أيام أبيه أن يرجعوا إلى دينهم.

* هو المـؤرخ محمد بن أحمد بن إياس، من مؤرخى القـرنين     (15 ,16م) له كتاب اسمه " تاريخ مصر" المشهور باسم بدائع الزهور فى وقائع الدهور، نشرته مكتبة الأسرة فى 5 مجلدات.

مظاهر الاحتفال بعيد الغطاس

إن عيد الغطاس من الأعياد الغنية باحتفالاته، ففى داخل الكنيسة نرى طقوس العيد بكل ما تحمل من معانٍ روحية، تغور إلى أعماق النفس البشرية، وتطبع فيها آثاراً لا تُمحى، وفى داخل البيوت وخارجها نرى احتفالات أُخرى شعبية، له بهجة خاصة تُميزه عن باقى الأعياد.

فما أن يأتى الغطاس حتى تمتلئ البيوت بالقلقاسوالقصب.. لاننكر أنها أكلات مادية إلا أنها تذكرنا بحقائق لاهوتية عميقة ومعانٍ روحية سامية، تخص المعمودية والميرون المقدس..! ولهذا رأينا أن نتحدث أولاً عن الرموز فى حياتنا وطقوسنا.. قبل أن نتعمق فى معانى هذه الأكلات وما ترمز إليه.

الرموز فى المسيحية

إن الرمزية هى اللغة الطبيعية للخليقة، فليس أحد علّم الحيوان المقتنص أن يصرخ، ولا الرضيع المريض أن يبكى، ولا الرجل المتألم أن يتنهد.. ومن الملاحظ أن الناس عامة يبتسمون فى حالة السرور، لكنهم يُكشرون فى حالة الحزن، وفى حالة الموافقة على شئ نجد خفض الرأس علامة شبه متفق عليها، أما تحريك الرأس من جانب إلى آخر فيشير إلى الرفض، كما أن هز الكتفين منظر مألوف، لإظهار أن الشخص لا يرى أو لا يفهم ما نتحدث عنه، وإظهار الأسنان يشير إلى العداء، واليدان المفتوحتان ترمزان إلى النزاهة.

والحق إننى مهما زعمت لنفسى أننى لا أفهم الآخرين، فلا أستطيع أن أُنكر أننى أدرك بطريقة مباشرة فى دموع الآخر حزنه، وفى إحمرار وجنتيه خجله، وفى كفيه المضمومتين صلاته، وفى نظراته الرقيقة حبه..*

ولأن الرموز تحمل من فيض المعانى الروحية، ما تعجز الكلمات أن تعبر عنها، جاء الكتاب المقدس يحوى لنا بين صفحاته الذهبية الكثير من الرموز الروحية، فهناك رمزية الألوان، فالأبيض يشير إلى الطهارة، والأحمر إلى الفداء، والأزرق إلى السماء...

وقد تعدت الرمزية اللغة والألوان لتشمل الأرقام، فنجد رقم 3 يرمز للثالوث القدوس، و7 للكمال، كما أن أحداثاً مثل سلم يعقوب وعبور البحر الأحمر.. كانت رمزاً للصليب والمعمودية..

ألم يصف الكتاب المقدس شعر الله باللون الأبيض! فهل لله شعر؟ ثم كيف يشيخ الله وهو روح ؟! إنها رموز تعبّر عن حكمة الله لا شيخوخته، وبنفس الأُسلوب يمكن أن نفسر العبارات الكثيرة الواردة عن الله مثل: يداه، عيناه، أُذناه..

وتتجلى الرمزية بكل وضوح فى سفر النشيد، كقول الكتاب: " أُختى العروس " ! لأنه أخذ طبيعتنا البشرية فصار أخاً لنا، وقد دخل معنا فى زيجة روحية لا تنفصم إلا بالموت.

وقد تجلت الرمزية أيضاً فى المبنى الكنسى، فالشكل الصليبى يُعلن عن طبيعة الكنيسة السرية، كجسد المسيح المصلوب، والشكل الدائرى يرمز إلى طبيعة الأبدية التى حملتها عن الله، وإذا اتخذت الكنيسة شكل السفينة، ففى هذا إشارة إلى فلك نوح رمز الخلاص.

هذا وقد امتدت الرمزية إلى الحياة المسيحية لتشمل مأكولاتهم، فما أن يأتى عيد النيروز، حتى نتذكّر البلح والجوافة، وما يشيران إليه من معانٍٍ روحية.. فالبلح فى لونه الأحمر يذكّرنا بدم الشهداء، الذى سُفك حباً فى فاديهم، وحلاوته تذكّرنا بحلاوة الإيمان، وصلابة نواته تذكّرنا بصلابة الشهداء وتمسكهم بإيمانهم إلى الموت.. أما الجوافة إذا قطّعت بطريقة دائرية، ظهر صليب من البذار على كل قطعة نقطعها، والصليب يرمز للألم الذى احتمله الشهداء.

وحينما يقترب شم النسيم، نشعر بدافع قوى بحكم العادة الموروثة، يدفعنا إلى التفكير فى البيض والسمك أو الفسيخ والبصل، التى تذكّرنا بجوانب متعددة من السيد المسيح*

أما فى عيد الغطاس المجيد، فالأسر تجمتع حول أكلة شعبية وهى " القلقاس " وخارج البيوت يمصون القصب، وفى ذهابهم للكنيسة يضعون الشموع على عيدان القصب، فما هى قصة هذه المأكولات ؟ وما هى علاقتها بعيد الغطاس ؟

القلقاس والمعمودية

لا ننكر أن آبائنا روحنوا أجسادهم، فإذا تمسكوا بطعام معين، فلابد أنه يخدم المناسبة التى يؤكل فيها، وهل ننكر أن القلقاس يذكّرنا بالمعمودية من عدة جوانب مختلفة، تُرى ما هى هذه الجوانب ؟!

- يحتوى القلقاس على مادة هُلامية سامة تؤذى حنجرة الإنسان، هذه المادة المُخاطية يمكن التخلص منها بالماء، وهكذا الإنسان أيضاً يتخلص من سموم خطية آدم الجدية عن طريق مياه المعمودية، التى فيها يخلغ الإنسان العتيق ليلبس الجديد.

- القلقاس يُدفن ليصير نباتاً، ويصعد فيصبح طعاماً، والمعمودية هى دفن مع المسيح وصعود معه ولهذا يقول معلمنا القديس بولس الرسول: " مدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أيْضاً مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ الَّذِي اقَامَهُ منَ الأَمْوَاتِ " (كو2: 12)، وقد قيل عن رب المجد يسوع بعد عماده: " فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ وَإِذَا السَّمَوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَـهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ " (مت3 : 16).

- القلقاس يُغمر فى الأرض، ولكن أفرعه الخضراء تُعلن عنه، والمسيح عندما اعتمد من يوحنا المعمدان فى نهر الأردن، حل عليه الروح القدس فى صورة حمامة، وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاء قَائِلاً: " هَـذَا هُوَ إبْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ " (مت3 : 17) ليُعلن للجميع لاهوته.

- لكى يؤكل القلقاس يجبأولاً تعريته من قشرته الخارجية، وفى المعمودية نخلع ثيابنا، وفى هذا إشارة إلى خلع الإنسان العتيق، والطبيعة القديمة الفاسدة، وأعمال الظلمة غير المثمرة، وكل ما ورثناه من آدم الأول.. وذلك لكى يلبس ما أنعم به له آدم الثانى، أعنى المسيح ابن الله.. (كو2 :11) (أف4 :22) (رو13 :12)*

القصـب

كما ذكرنا.. يرجع مص القصب فى عيد الغطاس، إلى عصر الدولة الفاطمية، فقد كان يوزع من قٍِبل الدولة، مع غيره من مأكولات على المسيحيين، فقد قال بن إياس فى تاريخه: وكان يُنفق فى تلك الليلة من الأموال ما لايُحصى فى مآكل ومشارب.. وكانوا يُهادون رؤساء الأقباط فى تلك الليلة: أطناب القصب والبورى والحلوى القاهرية والكمثرى والتفاح..

والحق إن القصب إن كان يوزع على الأقباط كمجرد شيئ يؤكل، إلا أنه يذكّرنا بالمعمودية، فحلاوة القصب تشير إلى حلاوة النعمة الإلهية التى يحصل عليها الإنسان عندما ينال سر المعمودية.

ولعل هذا هو السبب الذى جعل الأطفال، يضعون الشموع على قمة أعواد القصب، ويرفعونها عالياً وهم فى طريقهم إلى الكنيسة، كنوع من الإشهار والتفاخر العلنى، مثلما يحملون سعف النخيل فى أحد السعف.

كما اعتاد الأطفال وضع الشموع داخل قشر البرتقال المجوف، كإشارة إلى استنارة المعمد بنور الروح القدس، بعد دهنه بزيت الميرون المقدس*، فإننا نعلم أن الضغط على قشرة البرتقالة يُخرج منها مادة زيتية، وهكذا ربطوا بين هذه المادة وزيت الميرون، الذى يُدهن به الشخص بعد المعمودية.

ومن يتأمل طقس المعمودية قديماً، يرى أن الداخلين إلى الإيمان، كانوا يرتدون الثياب البيضاء كرمز للطهارة والنقاوة، التى وهبها الله للذين يعتمدون على اسمه، ويحملون الشموع بأيديهم إشارة إلى نور الإيمان الذى يضئ العقل، ونور المعرفة الإلهية التى تبدد ظلام الجهل.

ولهذا يُخاطب القديس كيرلس الأورشليمى الداخلين إلى الإيمان قائلاً: " ها رائحة المسيح تغمركم، يا أيها الذين ستقبلون النور، وإنكم لتقطفون الأزهار الروحية لتضفروها أكاليل سماوية، شذا الروح القدس يهزكم وأنتم على أعتاب الديار الملكية، لقد إزدهرت الأشجار فياليت الثمر يكون مكتملاً ، إن أسماءكم سُجلت بعد أن تطوعتم فى جيش المسيح حاملين مصابيح موكب العرس، يلهبكم الشوق إلى المدينة العلوية.."

ثم بعد العماد يقضون أسبوعاً بالكنيسة، وقد ذكر العلامة ترتليان: إنهم كانوا يأكلون لبناً وعسلاً، وفى هذا الطعام معنى رمزى، يشير إلى أنهم بالعماد قد دخولوا أرض كنعان الجديدة، أعنى (الكنيسة)..

ألم يذكر لنا الكتاب المقدس عن أرض كنعان إنها       " تفيض لبناً وعسلاً " (خر8:3) ! أما اللبن فيشير إلى التعليم النقى، الذى تقدمه الكنيسة لأولادها غذاءً لأرواحهم..

والعسل يشير إلى وصايا المسيح التى هى فى أفواه المؤمنين أحلى من العسل هكذا يقول داود النبى " مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي" (مز119: 103) ويشير العسل أيصاً إلى حلاوة الإيمان.

يقول العلامة أوريجينوس:

" عندما نخرج من عتمة الضلال إلى نور المعرفة، عندما نتحول عن حياة أرضية إلى أُخرى روحية، عندما نخرج من مصر ونأتى إلى الصحراء، نحيا وسط السكينة والهدوء، ونمارس الشرائع الإلهية ونتشبع من التعاليم السمائية، ثم بعد أن نكون قد تتلمذنا لهذه التعاليم وعبرنا الأردن، نُسرع إلى كنعان أرض الميعاد "*


* آلن بيز- لغة الجسد، تعريب سمير شيخانى، ص 7-20.

* راجع كتابنا أكل البيض والبصل والفسيخ فى شم النسيم.

* القمص سيداروس عبد المسيح- القلقاس فى عيد الغطاس، مقال نُشر بمجلة مدارس الأحد، يناير 1999م، ص31- 38.

* د/ ميخائيل مكسى إسكندر- عيد الغطاس بين النص والطقس والتراث، مقال نشرته جريدة وطنى، 22 يناير 1995م، ص9.

* العلامة أوريجينوس - عظة على سفر العدد 26 ,4.

القيم الروحية فى عيد الغطاس

إن عيد الغطاس هو عيد العبور، تتميم خلاصى لعبور البحر الأحمر على يد موسى النبى، وعبور نهر الأردن بالشعب على يد يشوع بن نون نحو أرض الميعاد، والحق إن عماد رب المجد يسوع هو عبور جديد بشعب جديد - أعنى الكنيسة - نحو أرض ميعاد جديدة، روحية هى كنعان السماوية.

لقد رأت الكنيسة فى عماد السيد المسيح المثل الأعلى لعمادها، وذلك بالغوص فى الماء والصعود منه، ومسحة الميرون، وهكذا أصبحنا بالعماد نعبر من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان، من العبودية إلى حرية مجد أولاد الله، من الولادة والبنوة الجسدية إلى الولادة الروحية الجديدة، والبنوة الروحية لله.

إن عيد الغطاس هو عرس روحى بين المسيح وكنيسته المعمـدة، فيه نتذكر أن الكنيسة قد صارت أم المؤمنين، تلدهم لله بمعمودية الماء والروح أولاد مقدسين، وماذا نقول عن معالجة الخطية الأصلية، والمصالحة بين السماء والأرض، بين الله والبشر.. معانى روحية عميقة، وحقائق لاهوتية جليلة وكثيرة.. نتذكرها فى هذا اليوم العظيم، أهمها الآتى:  

بـر الاتضاع

فى عيد الميلاد رأينا رب المجد يسوع ينزل ضيفاً على عالم الحيوان، وما المنفعة لو نزل فى قصر يترمد فى زواياه جمر الحب! ويسيل المكر والغش من جدرانه الصماء، وتنحجب فى زواياه أنانية الرجل وشهواته الجامحة..

لقد أراد السيد المسيح بميلاده الفريد أن يعطينا صورة حية لحياة الاتضاع والبساطة، أو قل عظة عملية، لعلها تشفى أخطر مرض قد أصاب البشرية بعد السقوط ألا وهو الكبرياء..

وفى يوم عماده المجيد يكمل المسيح بر الاتضاع الذى بدأه فى مذود بيت لحم، ففى اتضاع فريد، ينزل ابن الله فى نهر الأردن لكى يتقبل العماد من يوحنا المعمدان، وهو لم يرث الخطية الجدية، ولم يتسرب إليه لوثة الإثم، الذى سرى مفعوله فى كيان البشر، كل البشر، بسبب تمرد أبينا آدم على الله، وعصيانه أوامره ووصاياه!

لقد سجل لنا المسيح على نهر الأردن وفى بدء خدمته العلنية، الأساس الذى يجب أن تقوم عليه الخدمة الحقيقية، وهل ننكر أن الكبرياء حجر عثرة فى طريق نمونا الروحى والنفسى ؟!

والحق إن الاتضاع كان ثوباً جميلاً التحف به السيد المسيح كل حياته، ولهذا نراه فى نهاية خدمته يغسل أرجل تلاميذه (يو8:13) وهكذا كانت حياته، سلسلة طويلة حلقاتها من المحبة والبر والتقوى والاتضاع... وكل ما يمجد الآب..

عندما ولد المسيح فى مذود حقير للبهائم، انفتحت السماء ونزل ملاك من السماء لكى يبشر الرعاة بالخلاص وجمهور من جند السماء ينشدون أُنشودة السلام " المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام "، فقد ولد مخلص هو المسيح الرب ! وأين ولد ؟

وفى الأردن انفتحت السماء أيضاً، ليتقبل الابن تهنئة الآب ومسرته"هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُررت "، ويحل الروح القدس فى صورة حمامة وديعة، لكى يعتمد رسالة الابن المتضع..

والحق إن مفاعيل المعمودية لم ولن تنتهى، ننالها لا فى نهر الأردن بل فى جرن صغير، ويد يوحنا التى وضعت على رأس المسيح! سيحل محلها يد الكاهن التى لن تفارق رأسنا، للتوبة الدائمة ومغفرة الخطايا فى الاعتراف.

والروح القدس الذى نزل من السماء واستقر على رأس ابن الله لن يفارق جسدنا، ألم يقل معلمنا بولس الرسـول: " أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَـلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ " (1كو3: 16).

أما منظر الحمامة، الروح المعزى، الهادى، الوديع، الذى رفرف على وجه المسيح، قد انطبع على وجه جبلتنا الجديدة.. وهكذا كُتب على وجوهنا بأحرف مضيئة بارزة   " أبناء الله ".

إعلان لاهوت المسيح

فى عيد الغطاس أعلن الله عن ذاته، وأنه الواحد المثلث الأقانيم، الآب والابن والروح القدس، ثالوث فى واحد وواحد فى ثالوث، والأقانيم ليست أجزاء فى الله الواحد، لأن الله لا يتجزأ ولا ينقسم، بل هى خاصيات تقوم عليها الذات الإلهية.

أما السيد المسيح فهو ابن الله بشهادة الآب: " هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَـبِيبُ الَّذِي بِهِ سُـرِرْتُ " ( مت17:3)، " صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ " (كو1: 15)، ألم يقل يوحنا الحبيب: " اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ " ، وما معنى كلمة خبّر ؟ أعتقد أن المسيح بتجسده المنظور، قد أعلن لنا صورة الله غير المنظور (يو1 : 18).

والحق إن كثيرين يتعثرون فى فهم الثالوث المسيحى، وبنوة المسيح الروحية، لأن نظرتهم جسدانية بحتة !! ولو أن المسيحيين يؤمنون بثلاثة آلهة!! ما نادوا بالوحدانية فى قانون إيمانهم: " نؤمن باله واحد " وما قالوا: " باسم الآب والابن والروح القدس" بل قالوا بأسماء..!

وهل يُعقل أن الله الذى هو روح، قـد تزوج بإمرأة وأنجب منها ابناً أسماه المسيح ؟! ومن قال إن بنوة المسيح لله الآب بنوة جسدية ؟! إنها أشبه بولادة النور من النور أو الأشعة من ذات الشمس فحيثما كانت الشمس كانت أيضاً أشعتها، منها وفيها ومعها بغير انفصال.

إن الثالوث القدوس الذى نؤمن به، والذى أعلنه الله عندما اعتمد السيد المسيح فى نهر الأردن، ليس كالثالوث المصرى الوثنى القديم، لأنه ليس اختراعاً بشرياً، إنما حقيقة إلهية، ألم يوصِِِ المسيح تلاميذه بعد قيامته من بين الأموات قائلاً:"َ اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ " (مت28: 19).

تكوين عائلة المسيح

إن العماد يعنى ترك أمور كثيرة، لا تتفق مع الحياة الجديدة، التى يبدأها الإنسان فى مسيرته الروحية مع الله، أما أهم هذه الأمور فهى ترك الشيطان ونبذه، والكفر به وبكل تعاليمه، لأن لا شركة للنور مع الظلمة، وهل ننكر أن النور لا يلتقى بالظلمة إلا لكى يبددها ؟!

والحق إن الشيطان هو عدو الإنسان الأول الذى لا ولن يكف عن محاربته، فمنذ خلقة الإنسان وهو قائم يحارب بكل جهده، عسى أن يلقى البشرية كلها تحت حكم الموت.

فهو الذي استطاع بمكره أن يسقط أبوينا- آدم وحواء- وتسبب فى طردهما من الفردوس، وجلب الشقاء على البشرية كلها، وهو الذى أسقط أنبياءً وأشخاصاً حل عليهم روح الرب مثل: داود وشمشون وشاول الملك.. فهو لا يقف ساكتاً أمام إنسان يحيا مع الله، بل يحاربه ويسمى هذا " حسد الشيطان ".

وقد وصفه معلمنا القديس بطرس الرسول بعبارة قال فيها: " إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه" (ابط 5 :8)، فالشيطان معروف بقوته الهائلة، لأنه قبل أن يسقط كان أحد الملائكة " المقتدرين قوة " (مز20:103).

ويعتبر الخداع هو المبدأ الرئيسى، الذي تنطوي عليه كل حيل الشيطان الماكرة، فهو كمزيف العملات محتال في تزييف الحقائق، ويكيّف نفسه بصورة مذهلة حسبما تقتضى الأمور..

بعد نبذ الشيطان يصبح الإنسان، مهيئ للدخول فى الحياة الروحية، والانضمام لعائلة الله، التى تمتد وتتسع يوماً بعد يوم، لأن الحاجز الأكبر الذى كان يمنع لقاء الإنسان بالله قد رُفض..

وهكذا يصبح الإنسان بالمعمودية ابناً محبوباً لله بالتبنى، يُسر بدخوله فى حياة النعمة، لقد أصبحت السمات المقدسة التى للعائلة الإلهية ترتسم على وجهه، وتلازم كل أقواله وحركاته..

وصار بالإمكان أن نقول بكل جرأة وثقة " إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ يَا أَبَا الآبُ ! " (رو8 : 15) وأن نصلى إلى الله أبينا الذى أحبنا ونقول له: " أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ " (لو11: 2).

والحق إن المعمودية هى المدخل لكل ما هو حسن وجليل.. فمن جهة الله تصبح علاقته بنا علاقة ود وبنوة وصداقة... ألم يقل رب المجد يسوع: " لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيداً لأَنَّ الْعَبْـدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَـيِّدُهُ، لَكِنِّي قَدْ سمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي" (يو15: 15).

ومن جهة الأرض تصبح علاقتنا بها علاقة نزيل فى فندق سيغادره ولو بعد حين! فالبنوة الروحية لله تعنى أن وطننا الحقيقى لم يعد الأرض، بل السماء مسكن الله وملائكته وقديسيه.

   الاستنارة الروحية

إن هدف الله فى الإنسان، هو أن يرفعه من سقطته الأصلية، وينهى حالة الصراع الذى يعيشه منذ المعصية الأولى، فإذا خلص الإنسان يمكنه أن يعود ابناً لله وينضم للعائلة المقدسة من جديد، أما الخلاص فلا يتم إلا إذا ولد الإنسان من جديد، هكذا قال المسيح لنيقوديموس: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ " (يو3: 5).

ويعطينا القديس مار إفرام السريانى، تأملاً رائعاً عن هذا الميلاد الجديد فيقول: فى العيد الأول ولد المسيح من البطن حسب الطبيعة، واليوم يولد من بطن الأردن حسب النعمة، اليوم أتى القدوس ليقدس لنا المياه لغفران خطايانا، لقد جاء ليعد بطن الولادة الثانية للخليقة كلها.

ويبقى السؤال: هل يمكن للإنسان أن يبدأ حياة جديدة، قبل أن يضع حداً للحياة القديمة ؟! كيف يستطيع إنسان أن يسلك بالروح إن لم يقمع شهوات الجسد ؟! أعتقد أن هذا يتحقق فى المعمودية التى هى موت وقيام، نهاية وبداية، أليست المعمودية غسل لأدناس النفس ! ولماذا الاغتسال ؟ أليس لكى يسلك الإنسان بجدة الروح!

إن كنا فى مياه المعمودية نصير أعضاء فى جسد المسيح فهذا يعنى إننا نحمل سمته المقدسة التى عبّر عنها القديس يوحنا الحبيب بأسمى عبارة ألا وهى " الله محبة " (1يو8:4)، أما من يقول إنه قد استنار بالمعمودية وهو لا يحب! فليقرأ هذه الآية " مَنْ قَالَ إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ " (1يو2: 9).

أنت يوم أن اعتمدت قد صرت على صورة الله، والله روح، عش إذن بالروح! أما الروح فلا يُرى! جاهد إذن لكى تتخلص من المرئيات والماديات التى تعوق انطلاق روحك، تحرر من قيود الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة، وتمسك بالروحيات التى ستبقى فى الأبدية معك.

ونحن عندما نقول إن المعمودية استنارة، فهذا يعنى: إن الإنسان بعماده يتحرر من ظلمات الخطية، التى تحجب عنه الروح الإلهية، وهكذا بعين روحه التى انقشح الضباب من أمامها، يتأمل الأمور الإلهية والحقائق الأبدية! وبهذا المفهوم الروحى يخاطب القديس كيرلس الكبير طالبى العماد قائلاً:

" لقد اقترب يوم عرسكم، فكفوا عن الانشغال بالأمور الزمنية لتربحوا الروحية، ليتنقَ ذهنكم كما بنار، لتُصهر نفوسكم كالمعدن، قتزول الشوائب ويتنقى المعدن، صلوا لتستحقوا الأسرار السمائية الخالدة.."

تأملات روحية

معجزات لآباء رهبان الدير

abouna fltaous